منبرٌ مُغلق… وصوتٌ هارب

نورا عثمان

في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون مساحةً للمساءلة والشفافية، تحوّل المشهد في جنيف إلى واقعةٍ تثير كثيراً من التساؤلات. فالمؤتمر الصحفي الذي أُعلن عنه قبل أسبوعين في نادي الصحافة السويسري، لم يُكتب له أن يرى النور. وقبل أقل من نصف ساعة على انعقاده، أُلغيت الفعالية دون توضيحات كافية، في خطوة بدت للكثيرين مفاجئة ومربكة.
الحدث لم يتوقف عند حدود الإلغاء، بل اتخذ مساراً أكثر إثارة للجدل، مع انتقال اللقاء إلى داخل مقر السفارة السودانية بجنيف، حيث عُقد ما وُصف بـ”تنوير محدود” لبعض الصحفيين. هذا التحول من منصة عامة مفتوحة إلى فضاء مغلق، أثار انتقادات واسعة، خاصة من قبل ناشطين ومناهضين للحرب كانوا يعتزمون حضور المؤتمر وطرح أسئلتهم بشكل مباشر.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بمكان انعقاد مؤتمر صحفي، بل بطبيعة العلاقة بين المسؤولين والرأي العام. فحين يُستبدل الفضاء المفتوح – حيث تتعدد الأسئلة وتتنوع وجهات النظر – بلقاء انتقائي محدود، فإن الرسالة التي تصل إلى الجمهور تكون سلبية، وتُضعف الثقة في جدية الخطاب السياسي.
في السياق السوداني المعقد، حيث تتداخل الأزمات الإنسانية مع الصراع السياسي والعسكري، تصبح الشفافية أكثر من مجرد خيار؛ إنها ضرورة. المواطن الذي يدفع ثمن الحرب، من حقه أن يسمع إجابات واضحة، لا أن يُفاجأ بإلغاء منصات الحوار في اللحظات الأخيرة.
كما أن تجنب المواجهة العلنية، خاصة مع أصوات معارضة أو ناقدة، لا يلغي الأسئلة بل يؤجلها، وربما يضاعف حدتها. فالمواقف السياسية لا تُختبر في البيئات المغلقة، بل في المساحات التي تسمح بالاختلاف والنقاش.
ما حدث في جنيف يطرح سؤالاً أكبر من واقعةٍ عابرة: هل ما زال بعض الفاعلين السياسيين يفضّلون إدارة المشهد من خلف الأبواب المغلقة، حتى في لحظةٍ تتطلب أقصى درجات الانفتاح؟
الإجابة على هذا السؤال لا تُقاس بالتصريحات، بل بالممارسات. وفي زمن الأزمات، لا يكفي أن تتحدث… بل يجب أن تكون مستعداً للاستماع أيضاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.