التصحر في السودان قبل الحرب وبعدها

بقلم : حسن مستشار

مقدمة :
يُعدّ التصحر في السودان من أخطر القضايا البيئية والتنموية، إذ لا يقتصر على تدهور التربة والغطاء النباتي فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمنين الغذائي والمائي، مما يؤدي إلى تصاعد الصراع على الموارد وبالتالي النزوح.
يتميّز السودان بهشاشة مناخية عالية، حيث يقع جزء كبير من أراضيه ضمن النطاقات الجافة وشبه الجافة، ويعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار الموسمية في الزراعة والرعي. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن نسبة كبيرة من أراضي السودان قاحلة أو شبه قاحلة، وأن الاقتصاد الريفي يعتمد بشكل أساسي على الأمطار. كما شهدت البلاد خلال العقود الأخيرة اتجاهًا عامًا نحو انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى زيادة وتيرة الجفاف والفيضانات والتصحر. وقد قُدِّر معدل انخفاض الأمطار السنوية خلال الستين عامًا الماضية بنحو 0.5%، مع تزايد واضح في تذبذبها.
أولًا: مفهوم التصحر

لا يعني التصحر تحوّل الأراضي بالكامل إلى صحراء بالمعنى الحرفي، بل يشير إلى تدهور الأراضي في المناطق الجافة وشبه الجافة بحيث تصبح أقل قدرة على الإنتاج الزراعي والرعوي، وعلى الاحتفاظ بالمياه والغطاء النباتي.

ووفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فإن التصحر هو شكل من أشكال تدهور الأراضي في البيئات الجافة، وينتج عن التفاعل بين التغيرات المناخية والأنشطة البشرية. ويُعد هذا المفهوم مهمًا في حالة السودان نظرًا لحساسية بيئته المناخية لأي ضغوط إضافية.
ثانيًا: التصحر في السودان قبل الحرب
قبل اندلاع حرب أبريل 2023، كان السودان يعاني بالفعل من تدهور بيئي مزمن، تمثل في تدهور الأراضي، وتقلص الغطاء النباتي، وتكرار موجات الجفاف.
تشير الخطة الوطنية للجفاف (2018) إلى موجات جفاف حادة في الفترات (1967–1973) و(1980–1984)، والتي أدت إلى نقص شديد في الغذاء، ونزوح سكاني، وتدهور الغطاء النباتي، وزيادة العواصف الترابية وزحف الرمال. كما أسهمت موجات الجفاف بين (1985–1993) في أزمات غذائية واسعة، وقد تأثر بها أكثر من 27 مليون شخص خلال نصف قرن.
ومن أبرز المؤشرات على تدهور الموارد الطبيعية وضع الغابات؛ إذ بلغ الغطاء الغابي نحو 9.8% من مساحة البلاد، مع معدل إزالة غابات يُقدَّر بنحو 170,076 هكتارًا سنويًا خلال الفترة (2015–2020)، أي ما يعادل 0.88% سنويًا. وترتبط هذه الظاهرة بالتوسع الزراعي والعمراني، والاستخدام غير المستدام للوقود الخشبي، وضعف التخطيط لاستخدامات الأراضي.
كما أدى تدهور الأراضي إلى انخفاض إنتاجية التربة والمحاصيل، حيث أصبحت الزراعة المطرية أكثر هشاشة. وتشير بعض التقديرات إلى احتمال انخفاض إنتاج الدخن في إقليم كردفان بنسبة تتراوح بين 15% و62%، والذرة الرفيعة بين 29% و71% خلال الفترة (2030–2060) في حال استمرار الاتجاهات المناخية الحالية.
بوجه عام، يمكن تلخيص أسباب التصحر قبل الحرب في:
الجفاف، وتذبذب الأمطار، والرعي الجائر، وقطع الأشجار، والتوسع الزراعي غير المنظم، وضعف الإدارة البيئية. أما نتائجه فتمثلت في تراجع خصوبة التربة، وتقلص المراعي، وضعف الإنتاج الزراعي، وازدياد النزاعات المحلية.
ثالثًا: تأثير الحرب على التصحر
لم تُنشئ الحرب التصحر، لكنها حوّلته من مشكلة تدريجية إلى أزمة متسارعة ومركبة.
فمنذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، شهد السودان واحدة من أكبر أزمات النزوح عالميًا، حيث بلغ عدد النازحين نحو 15 مليون شخص، منهم حوالي 9.6 مليون نازح داخليًا بحلول عام 2026. وقد أدى هذا النزوح الواسع إلى ضغط كبير على الموارد الطبيعية في مناطق الاستضافة.
كما تفاقمت أزمة الأمن الغذائي بشكل حاد؛ إذ قُدِّر عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في سبتمبر 2025 بنحو 21.2 مليون شخص (حوالي 45% من السكان)، مع وجود مئات الآلاف في مراحل كارثية من الجوع، وتوقعات بانتشار واسع لسوء التغذية.
رابعًا: آليات تسريع التصحر خلال الحرب
ساهمت الحرب في تسريع التصحر عبر عدة آليات رئيسية:
النزوح الكثيف:
أدى إلى ضغط شديد على الموارد المحلية، خاصة المياه والحطب والمراعي، مما تسبب في إزالة الغطاء النباتي وتدهور التربة.
تراجع النشاط الزراعي:
انخفض إنتاج الحبوب في 2023 إلى نحو 4.1 مليون طن، بانخفاض 46% عن العام السابق، مما زاد الاعتماد على استنزاف الموارد الطبيعية.
الاعتماد على الوقود الخشبي:
نتيجة لانهيار الخدمات، ارتفع استخدام الحطب والفحم، مما زاد من إزالة الغابات.
ضعف الحوكمة البيئية:
أدت الحرب إلى تراجع قدرة المؤسسات على تنظيم استخدام الأراضي وحماية الموارد، مما فاقم الاستغلال غير المنظم.
خامسًا: مقارنة بين ما قبل الحرب وما بعدها
يمكن تلخيص الفارق كما يلي:
قبل الحرب:
تصحر تدريجي طويل الأمد، تقوده عوامل مناخية وبشرية، مع إمكانية احتوائه نسبيًا عبر سياسات بيئية.
بعد الحرب:
تصحر متسارع مرتبط بأزمة إنسانية، حيث أصبح استنزاف الموارد جزءًا من استراتيجيات البقاء اليومية.
سادسًا: أبرز المؤشرات الرقمية
انخفاض الأمطار السنوية بنحو 0.5% خلال 60 عامًا
الغطاء الغابي: 9.8% من مساحة السودان
إزالة الغابات: نحو 170 ألف هكتار سنويًا
النزوح: نحو 15 مليون شخص
انعدام الأمن الغذائي: 21.2 مليون شخص
إنتاج الحبوب 2023: 4.1 مليون طن (انخفاض 46%)
خاتمة

يتضح أن التصحر في السودان كان مشكلة هيكلية قبل الحرب، لكنه بعد اندلاعها تحوّل إلى أزمة مركبة تجمع بين التدهور البيئي، وانهيار الزراعة، والنزوح، والجوع، والصراع على الموارد.

وعليه، فإن معالجة التصحر لا يمكن أن تقتصر على الحلول البيئية التقليدية، بل تتطلب نهجًا شاملًا يشمل وقف النزاع، وإعادة بناء الاقتصاد الريفي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الحوكمة البيئية. فالتصحر في السودان لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح قضية بقاء واستقرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.