ثمة “لازمة” غريبة تتكرر في غرف عمليات الحروب الراهنة، من الخرطوم إلى طهران، ومن غزة إلى كييف؛ إنه أجل “الأسبوعين” المعلن دائما لنهاية أي حرب. في السودان، ظن البعض إن هذه الحرب “نزهة قصيرة” لن تستغرق سوى ساعات ثم أيام قبل أن يقطعوا بانها لن تتجاوز اسبوعين ليعود كل جندي إلى ثكنته. وفي التهديدات المتبادلة بين القوى العظمى وإيران، يتردد ذات الموال الآن عن ضربات خاطفة تنهي الأمر في غمضة عين. لكن هذا الواقع يمتد شهوراً وسنوات، لتتحول “النزهة القصيرة” إلى حريق يقضي علي كل أخضر ويابس.
فمن الذي يشوش على هذه العقول إذا ً؟
فحين يتشابه منطق “القوة” في بقاع شتى، وتتزامن ذات الأخطاء الاستراتيجية، لابد أن ندرك أننا لسنا أمام محض صدفة، بل ينبغي أن ندرك أننا أمام تفعيل لآليات فخ هو “الاستدراج”.
وبطبيعة الحال فإن العقل الذي اعتاد السيطرة عبر الأوامر والأزرار، يقع علي الدوام في فخ “وهم القدرة”.
ليظن قائد ما أن امتلاكه لمفتاح الصاروخ يعني امتلاكه لمفتاح التاريخ.
هذا الغرور هو “الغشاوة” الأولى التي تشوش على العقول، فتجعلها ترى الأوهام حقائق، وتظن أن الشعوب والجغرافيا مجرد أرقام في معادلة، بينما هي في الحقيقة كائنات ناصيتها بيد أخري، هي يد بارئها في النهاية.
كما أن تزامن الأقدار، ليس من قبيل المصادفة، إذ نرى “مكر التاريخ” يضرب في مقتل كل من اعتقد أنه قد أحكم قبضته علي مصائر الناس في بلاده وربما سواها.
هنا في السودان علي سبيل المثال، تبددت حسابات الحسم السريع علي قارعة الطريق، قبل أن تنهار المدن والفرق العسكرية تباعا، لتكشف عن واقع مغاير تماما لتصورات من أشعلوا الحرب.
وكأن يد القدرة أرادت أن تقول لهم: “أنا من أرتب الأوضاع، لا عقولكم الخربة يا هؤلاء”.
فما يحدث اليوم في العالم ليس مجرد حروب، بل هو عملية فض لمغاليق كثير من الأشياء الغامضة.
وبالطبع فان أولي مغاليق هذا الواقع تنفتح عند عتبة “غرور القادة”، عندما يتماهي الحاكم مع ظله، ويظن أن إرادته هي قدر الله المبرم.
المهم فإن العالم القديم يتداعى، وهذه التشابهات في “سوء التقدير” هي الأدوات التي يستخدمها القدر لهدم الهياكل التي ظن أصحابها أنها خالدة.
هنا في السودان ذهبت أوهام رجال “الدولة العميقة” وأحلام “السيطرة المركزية” أدراج الرياح.
في إسرائيل، سقطت “القبة الحديدية” و”مقلاع داؤد”، ليسقط معها سراب “الردع التكنولوجي”.
كل هذا التزامن يشير إلى أننا في “منعطف كوني” يُراد فيه للعالم أن يعود إلى نقطة الصفر، ليعيد ترتيب صفوفه على أسس جديدة، لا مكان فيها لفراعنة جدد.
وبالتالي فإن الذي “يشوش” على هذه العقول هو خالقها بالضرورة، حين يترك لنرجسيتها تمارس غيها، فتندفع نحو قدرها وهي تظن أنها تصنع مصيرها.
نحن لسنا سوى شهود على “رواية كبرى” كاتبها هو القدر، وخيوطها هي ما نري، لتأتي نهايتها أبعد مما يتخيله المخططون في غرف العمليات الحربية، و”المحللون” في أستديوهات الفضائيات الباردة.
إن دعوة اليوم هي دعوة للتواضع قليلا أمام “جبروت الأقدار”، فالعالم الذي سيتشكل بعد هذا الدخان لن يشبه إطلاقاً العالم الذي رسمه وخطط له كل هؤلاء.
_ نواصل _
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.