محددات الوحدة الوطنية:
تقوم الوحدة الوطنية على عناصر ومحددات يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت هناك وحدة وطنية أم لا في بلد ما. فإذا انتقص عنصر من عناصرها، حدث خلل واضح واضطراب في المفاهيم والمدلولات.
. احترام وحدة البلاد
. اللغة الرسمية والثقافة
. مدى تحقق الحرية
. مدى تحقق العدالة والمساواة
احترام وحدة البلاد:
يُعد احترام وحدة البلاد أحد أهم مقدمات الوحدة الوطنية في الدولة، وأن إدراك الدولة أن حق وحدة الوطن والتراب الوطني هو أساس سيادتها، وردّ كل حق آخر يُدّعى بلا انفصال عن سيادة الدولة، وما يتبع ذلك من تجزئة للوطن والسيادة، وهما حقان ثابتان يتوافقان مع المبادئ الدولية. فقد جاء في الفقرة (1514) من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتعلق بحق الدول في الحفاظ على وحدتها الوطنية، أن كل محاولة ترمي إلى القضاء الجزئي أو الكلي على الوحدة الوطنية أو الوحدة الترابية لبلد ما، تكون مناقضة لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
والفكر السياسي المعاصر يؤكد حق الشعوب في التميز، لكنه يعني بذلك التحرر الحقيقي وليس التشتت. لذلك، من واجبات الدولة القيام بدور مستمر في تعزيز الوحدة، وممارسة الانسجام بين فئات الشعب في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، مهما اختلفت النظرة إلى هذه الوحدة، من المركزية القوية إلى الاتحادية المرنة.
والواقع الماثل في السودان يختلف اختلافًا كليًا مع هذا التصور، إذ إن الدولة هي من تمارس التفرقة والتمييز عبر مختلف العصور، كما هو الحال في قانون “الوجوه الغريبة” الذي سنّته حكومة بورتسودان، بغرض انتهاك حقوق البسطاء وأهل الهامش، وقتلهم وسحقهم، وذبح أبنائهم على أساس جهوي، كما حدث لأهل الكنابي بالجزيرة، وهدم منازلهم، وكذلك في الحاج يوسف بالخرطوم والشمالية، ومصادرة ممتلكاتهم بناءً على هذا القانون، كأنهم لم يكونوا سودانيين.
لذلك نحن معنيون بدراسة هذه الممارسات من أجل إيجاد حلول ناجحة وعلاج شافٍ للعلل التي أصابت المجتمع والوطن في مقتل، جراء ممارسات النخب التي تعاقبت على سدة الحكم. ولا نخفي هنا أن ظهور بعض الجماعات الإثنية بمطالب على شاكلة حق تقرير المصير قد تجلى في اتفاقية نيفاشا، التي كانت نهايتها الحزينة انفصال جزء أصيل من الوطن، وهو جنوب السودان، كدليل واضح على ممارسات النخب الحاكمة.
وهنا يتطلب الأمر دراسة المخاطر التي قد تنجم عن هذه المطالب لوطن لا يتسع للتقاسم والتنازع. ويرى كثير من المفكرين السياسيين المعاصرين ضرورة البقاء موحدين، والسمو على الاعتبارات الأخرى، لأن مشروعية حق جماعة بعينها قد تؤدي إلى مبدأ التقسيم، وبالتالي تفتيت الوطن، وهو أمر غير مشروع.
اللغة الرسمية والثقافة:
تُعد اللغة الرسمية في الدولة من العناصر الأساسية لتحقيق الوحدة الوطنية، لأن اللغة جزء من الثقافة، وهي وسيلة الاتصال بين الفئات داخل الدولة، التي قد تحتوي على خليط غير متجانس من الأعراف والطوائف والإثنيات. لذلك، يُعد احترام الثقافة من المقومات الأساسية لتحقيق الوحدة الوطنية.
والحوارات التي تدور حول اللغة الرسمية للدولة غالبًا ما تخفي وراءها قضايا تتعلق بالحقوق اللغوية، ويحدث هذا عادة عندما تكون سياسات الدولة خاطئة.
ولعلنا في السودان لا نجد لغة مفروضة على فئة أو مختلفًا حولها، إذ إن اللغة الرسمية في التخاطب هي اللغة العربية، بيد أن هناك ثقافة مهيمنة على الثقافات الأخرى، فرضت بقوة السلطة، وأُتيح لها الظهور في الفضاء الإعلامي، بينما حُرمت كيانات أصيلة من حقها الطبيعي، ولم تتح لها الحرية الكافية لعكس ثقافتها وتراثها إلا بشكل محدود، مما خلق وضعًا مختلًا يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس متينة يتساوى فيها الجميع بلا تمييز.
ولا سيما أن هيمنة ثقافة على أخرى، ورفض الاعتراف بالتنوع على أساس الجنس أو اللون، إلى جانب التجربة التي يفرضها نظام الفلول بالقهر، كانت من الأسباب المباشرة للتفكك الذي أصاب الوطن.
أما الثقافة الوطنية، التي تشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والأعراف والعادات، فهي من أهم شروط تحقق الوحدة الوطنية، ويُعد احترامها أساسًا لذلك.
مدى تحقق الحرية في الدولة:
تُعد الحرية من أهم عناصر الوحدة الوطنية، إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعدالة؛ فالعدل يولد الحرية والتسامح. ولا يمكن أن تتحقق الحرية دون وجود نظام ديمقراطي يضمن حرية الفكر للفرد داخل الدولة.
وتتجلى حرية الفكر في مظاهر متعددة، منها حرية التعبير عن الرأي بوسائل مختلفة، شفاهة وكتابة وغيرها. وقد تقتصر حرية الفكر على اعتناق رأي معين، وقد تتجاوز ذلك إلى الدعوة إليه، دون أن يتناقض ذلك مع حق الدولة أو سيادتها.
وبناءً على ذلك، تقع على الدولة مسؤولية إقامة نظام ديمقراطي يحقق الحرية لجميع أبناء الوطن، ويضمن لهم حقوقهم كاملة. وإذا أخلّت الدولة بذلك، فمن حق الشعب استخدام الوسائل المشروعة لإسقاطها أو تغيير نظامها، كما تجلى ذلك في ثورة ديسمبر التي أسقطت نظامًا استمر ثلاثين عامًا، حكم بالقوة، واستخدم بيوت الأشباح لتعذيب أبناء الوطن.
ومن سمات الحرية أنها لا تستمر إلا في ظل توازن بين القوى السياسية والاجتماعية. فمبدأ “عش ودع غيرك يعيش” هو أساس كل اتحاد بين البشر، لأن الدولة تقوم على التعايش والتعاون والتضامن داخل إطار جغرافي واحد، بين جماعات قد تختلف في الدين أو اللغة أو الثقافة.
ومن سمات الديمقراطية مشاركة مختلف الجماعات في العملية السياسية، ووجود دستور مكتوب يحد من سلطة الدولة. وبذلك، فإن تحقق الحرية الدستورية والبرلمانية وحرية الفكر والتعبير والتعليم يسهم في تقوية الوحدة الوطنية.
مدى تحقق العدالة والمساواة:
يرى البعض أن السياسة هي جهد يُبذل لإقرار العدل والأمن، عبر تحقيق المصلحة العامة وحماية المجتمع من المصالح الخاصة.
وقد ظهرت نظريات متعددة حول العدالة التوزيعية؛ فالماركسية سعت لتحقيق العدالة على حساب الحرية، بينما منحت الرأسمالية الحرية على حساب العدالة، ولم تستطع أي من هذه النظريات تحقيق التوازن الكامل.
ويرى ابن خلدون أن الظلم في المجتمع لا ينتج عن التفاوت المادي فقط، بل عن الجاه والسلطة وسوء استخدامها. كما يرى أرنولد توينبي أن الرأسمالية ضحت بالعدالة، والشيوعية ضحت بالحرية، وأن الإنسان كائن ذو كرامة لا يمكن اختزاله في الماديات.
كما أن الخلافات العرقية والطائفية غالبًا ما تنشأ بسبب غياب العدالة في توزيع الموارد، وضعف المشاركة السياسية، وسوء إدارة الدولة، مما يؤدي إلى فجوة بين المركز والأطراف، ويهدد الوحدة الوطنية.
لذلك، تقع على عاتق الدولة مسؤولية تحقيق العدالة والمساواة، لأن ذلك يعزز التضامن ويجعل الوطن للجميع. كما أن اندماج الأقليات يعتمد على قدرة الدولة على تحقيق المساواة بين مواطنيها.
وإن النظام الذي لا يلبي احتياجات الشعب، يخدم بالضرورة الطبقة الحاكمة، ويؤدي إلى الظلم، ومن ثم إلى الثورة وسقوطه.
ولتحقيق العدالة، لا بد من وجود دستور وقوانين عادلة، وتوافق بينهما، وتطبيقها في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. لأن غياب العدالة يؤدي إلى تفكك المجتمع وضعف الانتماء الوطني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.