في السياسة، لا تكون التعيينات الإدارية مجرد إجراءات روتينية، بل رسائل مشفرة تعكس توازنات القوة ومخاوفها… وهذا ما ينطبق إلى حد كبير على التعديلات الأخيرة التي أجراها قائد الجيش السوداني على مكاتبه في مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، والقائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
فعلى ظاهرها، تبدو الخطوة جزءًا من حركة تنقلات عسكرية طبيعية تهدف إلى «ضخ دماء جديدة» وتعزيز الكفاءة، كما درجت البيانات الرسمية على القول.. لكن قراءة أعمق للسياق السياسي والأمني الذي تتحرك فيه هذه القرارات تكشف أنها أقرب إلى محاولة إعادة ضبط مراكز النفوذ داخل الدائرة الأكثر حساسية: مكتب القائد نفسه.
تاريخيًا، لم تكن مكاتب القيادة العليا في السودان مجرد وحدات إدارية، بل كانت بوابات تأثير وصناعة قرار، تسللت عبرها شبكات الولاء السياسي، خصوصًا خلال العقود التي شهدت صعود التيار الإسلامي وتمكينه داخل مؤسسات الدولة.. هذا الإرث لم يتلاشَ بسقوط النظام السابق، بل ظلّ حاضرًا بأشكال مختلفة، ما يجعل أي إعادة ترتيب داخل هذه المكاتب خطوة ذات دلالات تتجاوز الشكل إلى الجوهر.
إلى ذلك، يمكن فهم تعيينات وإعفاءات الضباط الأخيرة باعتبارها جزءًا من محاولة البرهان إعادة الإمساك بمفاتيح مكاتبه، في مواجهة ما يُنظر إليه كنفوذ متجذر لعناصر الإسلاميين داخل قيادة الجيش السوداني.. وهي خطوة تحمل في طياتها اعترافًا غير مباشر بأن هذا النفوذ لا يزال قائمًا، وأن التعامل معه لم يعد خيارًا مؤجلًا.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الداخل.. فالسودان اليوم واقع تحت مجهر دولي شديد الحساسية تجاه أي ارتباطات محتملة بتصنيف الحركات الإسلامية على قوائم الإرهاب الأمريكية. وفي هذا الإطار، يصبح أي وجود، أو حتى شبهة ارتباط داخل دوائر القرار العسكري، عبئًا سياسيًا قد يكلّف البلاد مزيدًا من العزلة أو التعقيد في علاقاتها الخارجية.
من هنا، تبدو التعديلات الأخيرة وكأنها محاولة مزدوجة: أولًا، تحجيم مراكز نفوذ الإسلاميين غير المرغوب فيها داخل الجيش ومجلس سيادة حكومة بورتسودان؛ وثانيًا، إرسال إشارة طمأنة إلى الخارج بأن القيادة الحالية تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة القرار بما يتماشى مع المتغيرات الدولية.
غير أن السؤال الأهم يظل مطروحًا: هل تكفي التغييرات الإدارية لمعالجة أزمة بنيوية بهذا العمق؟ أم أنها مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس الشبكة القديمة؟
التجربة السودانية تشير إلى أن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في البنية التي تسمح بإعادة إنتاج النفوذ ذاته، حتى مع تغيّر الوجوه. لذلك، فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي يظل ناقصًا ما لم يصاحبه تفكيك فعلي لشبكات المصالح التي تغلغلت داخل مؤسسات الدولة لعقود.
كما أن هذه الخطوة تفتح بابًا آخر للنقاش حول طبيعة الصراع داخل الجيش السوداني والقوات النظامية والإسلاميين: هل هو صراع مهني حول الكفاءة وإدارة الحرب، أم صراع سياسي حول الولاءات والتموضع في مرحلة ما بعد الأزمة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه التعديلات بداية لمسار جديد، أم مجرد حلقة في سلسلة إعادة تدوير النفوذ.
في الواقع، لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن حالة القلق التي تحيط بمركز القرار في السودان اليوم. فحين يبدأ القائد في إعادة ترتيب مكتبه، فإن ذلك غالبًا ما يكون مؤشرًا على أن الخطر لم يعد في الأطراف، بل اقترب من القلب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.