فوضى الأبيض تتفاقم… انفلات أمني وغياب الدولة يثير غضب المواطنين

تقرير: عين الحقيقة

تشهد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تدهورًا متسارعًا في الأوضاع الأمنية والاجتماعية والإنسانية، وسط تحذيرات من انزلاق المدينة نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل تداخل عسكري وتزايد أعداد النازحين، ما ألقى بظلال ثقيلة على بنية المجتمع واستقراره.

ويستند هذا التقييم إلى معطيات ميدانية وشكاوى متكررة من مواطنين، إلى جانب ما أورده تقرير حديث للناشط محمد خليفة، المعروف بـ«خال الغلابة»، الذي وصف الوضع في المدينة بأنه يسير نحو «انهيار تدريجي» يمس مختلف مناحي الحياة.

انفلات أمني وتراجع في الانضباط

وبحسب مصادر محلية تحدثت لـ«عين الحقيقة»، فإن المدينة تشهد تراجعًا ملحوظًا في مستوى الانضباط الأمني، خاصة مع وجود تشكيلات عسكرية متعددة داخل الأحياء. وأشارت المصادر إلى أن هذا التداخل أسهم في بروز ممارسات غير قانونية، وتحول بعض المناطق إلى بؤر مفتوحة لانفلات أمني وسلوكي.

وأكد أحد المواطنين، فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، أن «حالات السرقات والاعتداءات زادت بشكل واضح، في ظل غياب شبه كامل للرقابة»، مضيفًا أن بعض الأحياء باتت «غير آمنة بعد ساعات المساء».

استغلال الفئات الهشة في ظل الضائقة

ويكشف التقرير الذي نشره الناشط محمد خليفة على صفحته في «فيسبوك» عن تصاعد مقلق في استغلال الفئات الضعيفة، لا سيما النساء والفتيات من النازحات، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية قاسية. وأفاد بوجود ضغوط تدفع بعضهن إلى علاقات غير آمنة مقابل المال، في مؤشر يعكس هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية.

وتؤكد شهادات ميدانية لـ«عين الحقيقة» هذه المعطيات، حيث أشارت إحدى المتطوعات في العمل الإنساني إلى «ازدياد حالات الاستغلال المرتبطة بالفقر وانعدام سبل العيش»، معتبرة أن «الظاهرة باتت تتطلب تدخلًا عاجلًا من الجهات المختصة».

ظواهر اجتماعية صادمة

ومن أبرز ما رصده التقرير، ظهور حالات مقلقة تمس النسيج الاجتماعي، من بينها التخلي عن أطفال حديثي الولادة في ظروف إنسانية قاسية، وهي مؤشرات وصفها مراقبون بأنها تعكس «تصدعًا خطيرًا» في منظومة الحماية الأسرية.

كما لفتت مصادر مجتمعية إلى وجود تكتم داخل بعض الأسر بشأن قضايا حساسة، مثل الحمل خارج إطار الزواج، نتيجة الضغوط الاجتماعية والخوف من الوصمة، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات بدلًا من احتوائها.

أزمة إنسانية خانقة

وتواجه مدينة الأبيض ضغطًا متزايدًا نتيجة تدفق أعداد كبيرة من النازحين، الذين يعيش كثير منهم في ظروف معيشية صعبة، مع محدودية فرص العمل وغياب مصادر دخل مستقرة.

وقال أحد سكان المدينة لـ«عين الحقيقة» إن «الأوضاع المعيشية دفعت بعض الشباب إلى الانخراط في أنشطة خطرة أو غير قانونية»، مشيرًا إلى أن «غياب الدعم الكافي يزيد من تعقيد المشهد».

انتشار المخدرات وتحديات المكافحة

وفي سياق متصل، حذرت مصادر أمنية من تنامي ظاهرة انتشار المخدرات في المدينة، بما في ذلك الحبوب المخدرة مثل «الترامادول»، إلى جانب مواد أخرى، في ظل ضعف آليات الرقابة.

وأكدت المصادر لـ«عين الحقيقة» أن بعض المواقع داخل المدينة تحولت إلى نقاط مفتوحة لتعاطي وبيع المخدرات، مشيرة إلى تحديات تواجه الأجهزة المختصة في التعامل مع هذه الظاهرة، خاصة في ظل تعقيدات الوضع الأمني.

تنامي التسول وتآكل الاقتصاد المحلي

كما سجلت المدينة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التسول، خاصة في الأسواق ومناطق التجمعات، مع وجود أعداد كبيرة من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

ويرى مراقبون أن هذا التنامي يرتبط مباشرة بتدهور الأوضاع المعيشية، وغياب برامج دعم فعالة للفئات الأكثر تضررًا.

تحذيرات من تفاقم الأزمة

ويجمع مراقبون ومصادر محلية على أن المشهد العام في الأبيض يشير إلى أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا ومنسقًا من السلطات المعنية.

وتشمل أبرز المطالب تعزيز الانضباط داخل التشكيلات العسكرية، وتكثيف الوجود الأمني في الأحياء، إلى جانب إطلاق برامج حماية اجتماعية تستهدف النازحين والأسر الهشة، فضلًا عن تشديد الرقابة على أنشطة المخدرات.

مستقبل مقلق دون تدخل عاجل

وفي ظل استمرار هذه المؤشرات، يحذر تقرير محمد خليفة من أن المدينة قد تتجه نحو مزيد من التدهور إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة لاحتواء الأزمة.

وبين واقع أمني هش وضغوط معيشية متصاعدة، تبدو الأبيض أمام اختبار حاسم، حيث يتوقف مستقبلها على قدرة حكومة بورتسودان بكل تشكيلاتها العسكرية والقوات المتحالفة معها من كتائب الحركة الإسلامية على استعادة هيبة الدولة وفرض النظام، قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع دائم يصعب احتواؤه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.