النخبة السودانية: خيانة للثورات أم ضرورة لتغيير النظام؟

المهندس/حسين تيمان

ذاكرة الظل

لطالما كانت النخب الحاكمة في السودان، سواء العسكرية أو المدنية، حجر الزاوية في تأخير بناء الدولة المدنية الديمقراطية. يمر السودان عبر تاريخ طويل من التغيرات السياسية التي شهدت على ثورات وانتفاضات شعبية، ولكن معظم هذه الثورات انتهت إلى محاصرة السلطة في يد النخب نفسها، دون تفويض شعبي حقيقي. تتشابك هذه النخب مع مصالح النظام العسكري، ويتعاونون في تقسيم السلطة في ما بينهم. ولكن هذا التعاون لم يسهم في بناء دولة مؤسسات قوية، بل كان في أغلبه مجرد تأمين لمصالحهم الخاصة.

 

النخبة السودانية والمساهمة في الجمود السياسي

منذ الاستقلال، مرت البلاد بسلسلة من الانقلابات العسكرية، كانت بدايةً مع انقلاب 1958 الذي وضع السودان في قبضة العسكر. هذه الانقلابات لم تكن مجرد تغييرات في رأس النظام، بل كانت بمثابة استمرار للهيمنة العسكرية على الحياة السياسية. ولكن الغريب أن القوى السياسية المدنية، بما فيها الأحزاب، كانت تتحالف مع هذه الأنظمة العسكرية عند أي فرصة، محاولين اقتسام السلطة مع العسكر. ما دفع الناس للاحتجاج مجددًا في انتفاضات شعبية، آخرها ثورة ديسمبر 2018، التي كانت بداية لحراك شعبي واسع ضد النظام.

تعود جذور هذه الازدواجية في التعامل مع السلطة إلى النظريات السياسية الغربية التي شرحت هذا التوجه بوضوح، مثل نظرية “النخبة” التي طرحها فيلفريدو باريتو وجايتانو موسكا. ففي كتابه “النخبة والمجتمع”، يتحدث بوتومور عن أن المجتمعات دائما ما تحتكر السلطة فئة قليلة من الأفراد، مهما كانت التغيرات السياسية. فحتى في الأنظمة الديمقراطية، يبقى مفهوم النخبة موجودًا، بل ويتغلغل في الحياة السياسية، حيث تشكل النخب بدورها طبقة حاكمة غير قابلة للتغيير.

 

الثورات السودانية: من الانتفاضة إلى العودة للوراء

لقد شهد السودان أكثر من ثورة وانتفاضة، بدأت أولها في عام 1964 ضد الحكم العسكري، ومرورا بثورة أبريل 1985 التي أطاحت بنظام النميري، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018 التي انتهت بإطاحة البشير. لكن في كل مرة، وبغض النظر عن الضغوط الشعبية وتضحيات الثوار، عادت النخب الحاكمة للظهور مجددًا، إما على شكل حزب مدني متحالف مع العسكريين، أو بعودتهم هم أنفسهم إلى السلطة.

بعد ثورة ديسمبر، وعلى الرغم من التضحية الكبيرة التي قدمها الشباب السوداني في ساحة الاعتصام، عادت النخب لتفرض نفسها عبر التحالفات السياسية مع العسكريين. اتفاقات مثل “إعلان الحرية والتغيير” والاتفاق السياسي مع العسكريين، ما هي إلا تحركات لضمان الحفاظ على النفوذ والسلطة. بل إن هذه النخب الحاكمة بعد الثورة كانت أكثر عنفًا في محاربة الأجسام الثورية الشبابية والمجتمعية التي كانت تدعو إلى حكومة مدنية بالكامل.

 

النخب السودانية في ضوء الفشل الديمقراطي

إحدى أبرز السمات التي تميز النخب السودانية هي قدرتها الفائقة على التكيف مع أي تغيير سياسي لضمان استمرارية هيمنتها. رغم شعارات الدولة المدنية والديمقراطية التي تتغنى بها الأحزاب السياسية، إلا أن هذه النخب تجد في هذه الشعارات مجرد أداة للتمكين. يتم استخدام خطاب الديمقراطية لضمان وصولهم إلى السلطة، وعندما يشعرون بأن هذا التمكين مهدد، ينقلبون على من حملهم إلى السلطة من الشعب.

ثورة ديسمبر على سبيل المثال، كانت في جوهرها ضد هيمنة النخب العسكرية والمدنية على الحياة السياسية السودانية، لكنها فشلت في تغيير معادلة السلطة بشكل حقيقي، عندما تحالف المدنيون مع العسكريين في حكومة الفترة الانتقالية. وما كان يجب أن يكون فرصة لبناء مؤسسات مدنية مستقلة وراسخة أصبح مجرد مساحة لمزيد من الصراع بين النخب، بينما بقي الشعب في قلب هذا الصراع يتطلع إلى الحرية والديمقراطية.

 

المطلوب: تحرير العقل السياسي السوداني

لتجاوز هذه الدائرة المفرغة، يجب أن يتحرر الشعب السوداني من عقلية النخب التي تكرس الاستبداد. من الضروري أن يعيد السودانيون تشكيل مفهوم السلطة السياسية في بلادهم، لا أن يظلوا أسيرين لخطابات حزبية وعسكرية توظف الثورة والشعارات الكبرى لتحقيق مصالح خاصة. يحتاج السودان إلى انتقال حقيقي نحو دولة مدنية ذات مؤسسات مستقلة، حيث يتشارك الجميع في بناء الوطن بشكل عادل ومتوازن.

في الختام، لا يمكن الحديث عن ثورة ديسمبر أو أي انتفاضة شعبية سابقة في السودان دون الإشارة إلى النخب السودانية التي أدارت البلاد، سواء من العسكر أو المدنيين. النخب هي العامل الأساسي في استمرار الأزمة السياسية السودانية، ما لم يجرِ التحرر منها بشكل حقيقي، عن طريق إصلاحات جذرية في بنية النظام السياسي السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.