كفاح المهمشين وحصاد الهشيم

بقلم: المهندس صديق أندر

لقد خاض المهمشون في شتى بقاع السودان صراعًا مريرًا للتحرر من سيطرة المركز واستيلائه على حقوق شعوب السودان، وذلك منذ خروج المحتل في سنة 1956م وحتى الآن، وكان النتاج صفرًا كبيرًا. وما يجري الآن من حرب ضروس بين الهامش والمركز ليست مجرد صراع على السلطة، بل على نمط الحكم العميق الذي يعيد إنتاج الأزمات والتهميش كآلية للاستمرار في التحكم. وأحاول استنباط العبر من تحليل الماضي والحاضر لتسليط الضوء على كيفية “إعادة تدوير التهميش” وتداعياته الكارثية الخطيرة.

 

النظر إلى التهميش كمنظومة محكمة لا كحادث عارض:

تتجلى الفكرة المحورية في أن التهميش ليس خللًا عابرًا، بل جزء أصيل من طريقة عمل الدولة السودانية القديمة، المتوارثة بين أبناء النخب؛ حيث تُعاد الصياغة والتلوين والبلورة والتحديث باستمرار، ولكن بأدوات وشعارات مختلفة، مع ثبات الجوهر، وهو اختلال السلطة والثروة، وغياب دولة القانون والعدالة والمساواة.

 

أما الحلول المقترحة، فيجب علينا تجاوز فهم التهميش كظاهرة هامشية أو نتيجة ثانوية عابرة، بل التعامل معه كبنية عميقة تتطلب تفكيكًا شاملًا واقتلاعًا من الجذور.

 

“الدولة المركزية” وتدوير الأزمات:

فالمركز لا يسعى لإنهاء التناقضات، بل لإدارتها وإعادة توجيهها. فالمظالم تُعد موردًا يُدار، وتُبقى مفتوحة لضمان استمرار السيطرة، عبر استيعاب نخب الهامش وتفكيك قواه الصاعدة. ومثالًا لذلك: جبريل ومناوي وموسى هلال… والقائمة تطول.

 

فالحلول الجزئية أو استيعاب بعض النخب لا يغير من بنية التهميش الأساسية، بل يعيد تدويرها، ونظل نحصد الهشيم. والسؤال: كيف نواجه تحديات الوحدة والتمثيل الصادق العادل الحقيقي؟

وللمعلومية، فإن الهامش ليس كتلة واحدة، بل مجال اجتماعي واسع يُستنزف، وتنفصل النخبة تدريجيًا عن قواعدها. فتجربة الحركات المسلحة، كحركات دارفور وقوات الدعم السريع، أظهرت كيف يمكن للمشروع الثوري أن يتحول إلى إعادة توزيع للمواقع ضمن نفس الإطار، أو يتحول السلاح إلى قوة منفلتة بلا مشروع سياسي أو أخلاقي.

 

فالحاجة الملحة الآن لمشروع فكري وسياسي متماسك، يربط السلاح بالوعي، ويضمن تمثيلًا حقيقيًا للمهمشين، لا مجرد اندماج لنخبهم في بنية قائمة (يجب إعادة النظر في تطبيق مشروع تأسيس ومعالجة الخلل البنيوي الماثل للعيان).

 

الحرب كآلية لإدارة الصراع وتفكيك الفضاء المدني:

في السودان لم تعد الحرب مجرد نتيجة للصراع على السلطة والثروة والعدالة، بل أصبحت أداة لإدارته بذكاء، وخلق بيئة تعيق التراكم المدني وتفسح المجال لصعود الميليشيات الإسلامية، مثل البراؤون والكيكلاب وحركات دارفور، مما يقوض أي تحول ديمقراطي.

فيجب على العقلاء إدراك أن العنف الممنهج يهدف إلى إضعاف الفضاء المدني، الذي هو الحامل الحقيقي للتغيير الديمقراطي.

 

تقاطع المصالح المحلية والإقليمية في إدامة الأزمة:

تتداخل إرادة بقايا النظام القديم مع مصالح إقليمية، ولا سيما مصر، التي تخشى الاستقرار الديمقراطي في السودان، مما يُبقي البلاد في حالة سيولة تمنع تشكل بديل ديمقراطي راسخ. ومن الحكمة مستقبلًا أن يؤخذ في الاعتبار هذه الأبعاد الإقليمية والدولية التي تغذي حالة عدم الاستقرار.

 

إن استمرار التهميش في السودان ليس فشلًا عرضيًا، بل نتيجة لبنية سياسية متماسكة تُدار بها الدولة، حيث “المركز” يعيد تدوير الصراعات، و”الهامش” يُستنزف. والنتيجة ليست فقط استمرار التهميش، بل إعادة هندسته بصورة أكثر تعقيدًا ومرونة تُبقيه قائمًا حتى وهو يتغير في شكله وأدواته.

وللخروج من هذه الدائرة، يتطلب الأمر مشروعًا وطنيًا جذريًا يعيد تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة، ويقوض آليات “إعادة تدوير المهمشين” التي أنتجت “حصاد الهشيم” الحالي، الذي هو في حاجة إلى علاج.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.