هل خسرت «حكومة تأسيس» معركة السياسة والاستخبارات أمام «حكومة بورتسودان»؟

الطيب مادري حسن

منذ اندلاع الحرب في السودان لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري وحده بل أصبحت السياسة والاستخبارات وإدارة التحالفات أدوات حاسمة في تحديد من يملك زمام المبادرة ومن يفقد القدرة على التأثير وفي هذا السياق يبرز سؤال مشروع يفرض نفسه بقوة هل فشلت حكومة تأسيس سياسيا واستخباراتيا في مجاراة حكومة بورتسودان؟

في قراءة المشهد الراهن يبدو أن حكومة بورتسودان استطاعت رغم الأزمات والانقسامات أن تحافظ على حد أدنى من التماسك السياسي والدبلوماسي بينما تعاني حكومة تأسيس من ارتباك واضح في إدارة الملفات الحساسة خصوصا فيما يتعلق ببناء التحالفات وضبط الخطاب السياسي والاعلامي وتأمين الجبهة الداخلية ضد الاختراقات والتسريبات

أول مظاهر هذا الإخفاق يتمثل في غياب تطبيق مشروعها السياسي فحتى اللحظة، لم تنجح حكومة تأسيس في تقديم رؤية متماسكة تقنع الشارع السوداني بأنها تمثل بديلا حقيقيا للدولة بل ظلت قراراتها أقرب إلى ردود أفعال متفرقة ومحاولات لإرضاء مراكز القوى المختلفة هذا الارتباك جعل كثيرا من القوى السياسية والمجتمعية تنظر إليها باعتبارها كيانا انتقاليا هشا أكثر من كونها مشروع سلطة قادر على الاستمرار

أما على المستوى الاستخباراتي فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدا وخطورة فالتسريبات المتكررة والإنشقاقات وتضارب المعلومات وظهور الخلافات الداخلية إلى العلن كلها مؤشرات تعكس ضعفا في إدارة الملف الأمني والسياسي وفي عالم الصراع لا تعني الاستخبارات فقط جمع المعلومات بل تعني أيضا القدرة على حماية القرار السياسي وضبط التوازنات ومنع الاختراقات التي تؤدي إلى تفكيك التحالفات من الداخل

في المقابل استطاعت حكومة بورتسودان أن تستفيد من خبرة مؤسسات الدولة التقليدية ومن شبكاتها السياسية والأمنية القديمة ما منحها قدرة أكبر على المناورة وكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها داخليا وخارجيا كما أنها نجحت ولو جزئيا في تقديم نفسها للمجتمع الإقليمي والدولي باعتبارها الطرف الأقرب إلى شكل الدولة مقارنة بخصومها

ومن أبرز نقاط ضعف حكومة تأسيس أيضا أنها لم تنجح في إدارة التنوع داخل مكوناتها السياسية والعسكرية. فبدلًا من تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة أصبح في كثير من الأحيان سببا للصراع والتنافس حول المناصب والنفوذ ومع كل تعيين جديد أو قرار سياسي تتصاعد الاتهامات بالمحاصصة والتهميش وغياب المعايير المؤسسية الأمر الذي يضعف الثقة الشعبية ويخلق حالة من الإحباط داخل قواعدها نفسها

كذلك فإن الأداء الإعلامي لحكومة تأسيس لم يكن بالمستوى المطلوب. ففي زمن الحرب الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار بل أداة لصناعة الرواية السياسية وكسب الرأي العام لكن الخطاب الإعلامي لحكومة تأسيس اتسم في أحيان كثيرة بالتناقض والانفعال وغياب الرسائل الموحدة بينما اعتمد الطرف الآخر على خطاب أكثر تنظيما واستقرارا حتى وإن تعرض لانتقادات واسعة

ورغم ذلك فإن الحديث عن فشل كامل قد يكون حكما متسرعا فحكومة تأسيس ما تزال تتحرك في بيئة شديدة التعقيد وسط حرب مفتوحة وتشابكات إقليمية ودولية وضغوط اقتصادية وأمنية هائلة لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أنها حتى الآن لم تنجح في إثبات تفوق سياسي أو استخباراتي حاسم على حكومة بورتسودان ولم تتمكن من تحويل مكاسبها العسكرية أو الثورية إلى مشروع سياسي متماسك قادر على فرض نفسه كبديل مستقر

فإن التحدي الحقيقي أمام حكومة تأسيس اليوم لا يكمن فقط في مواجهة خصومها عسكريا فقط بل في مراجعة بنيتها الداخلية وبناء مؤسسات حقيقية وتقديم نموذج حكم يقوم على الكفاءة لا الولاءات وعلى وضوح الرؤية لا إدارة الأزمات اليومية. فالمعارك السياسية لا تحسم بالشعارات وحدها بل بالقدرة على إدارة الدولة وكسب الحلفاء وحماية القرار من الانهيار الداخلي

وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا هل تمتلك حكومة تأسيس القدرة على تصحيح مسارها قبل أن تتحول من مشروع تغيير إلى تجربة سياسية أخرى تبتلعها صراعات السلطة والتوازنات المؤقتة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.