احتجاز درة قمبو هو جرس انذار للقوي السياسية بمصر

بقلم: نفيسة حجر

​في عالم العلاقات الدولية والقانون، تكتسب الوثائق الرسمية الصادرة عن الدول هيبتها ومشروعيتها من مصداقية وأمانة الجهات التي أصدرتها. لكن ما تعرضت له الصحفية السودانية، درة قمبو، في مطار القاهرة الدولي، يتجاوز حدود القرارات الإدارية العادية، ليضعنا أمام تساؤل حقوقي وقانوني وهو: كيف تمنح سلطة رسمية موافقة أمنية مسبقة، وتتقاضى مقابلها مبالغ طائلة، ثم تحول هذه الوثيقة مدفوعة القيمة إلى مصيدة للاحتجاز والترحيل عند عتبة الوصول؟

​إن “الموافقة الأمنية” التي باتت شرطاً لدخول المواطنين السودانيين إلى مصر ليست إجراءً مجانياً أو فحصاً روتينياً، بل تحولت إلى تجارة تدر مبالغ طائلة وخيالية، يدفعها كل من ارادوا الذهاب الي مصر بصورة رسمية من أموالهم الخاصة لضمان عبور قانوني .
ومن المنظور الحقوقي والقانوني، عندما تقبض دولة ثمن وثيقة رسمية وتصدرها بعد فحص وتدقيق، فإنها تبرم التزاماً قانونياً وأخلاقياً بمنح حاملها “الأمان القانوني” وحق المرور.
أن يتم توقيف درة قمبو، وهي تحمل هذه الوثيقة المستوفاة ومدفوعة القيمة، واحتجازها لأكثر من 12 ساعة وتجريدها من هاتفها وجواز سفرها ثم ترحيلها قسرياً، هو إقرار علني بأن هذه الموافقات لم تعد تُعنى بالأمن، بل تحولت إلى أداة جباية مالية وتكسب مادي يفقد قيمته القانونية بمجرد وصول المسافر إلى المطار.
​إن احترام الحق السيادي للدول في تنظيم حدودها هو مبدأ قانوني ثابت، ولكن لا يمكن تحت أي ظرف تحويل “السيادة” إلى تجارة رابحة تُستغل فيها ظروف الحرب الاستثنائية لجني الأموال دون أدنى التزام بتبعات تلك الوثائق الصادرة.
عندما تدفع صحفية مهنية مبالغ باهظة من حر مالها لتشتري “حق الحركة والتنقل”، ثم تُعامل كمجرمة أو مهدد أمني في صالات المطار، فإننا أمام نمط من أنماط الابتزاز البنيوي الذي يجرد المعاملات الرسمية من مصداقيتها ويحولها إلى فخاخ مالية وأمنية.
​وتكمن الكارثة الحقوقية في واقعة درة قمبو في غياب الشفافية فالسلطات التي قبضت ثمن الموافقة الأمنية مسبقاً، لم تكلف نفسها عناء إبداء أسباب إلغائها المفاجئ.
هذا السلوك يرسخ عملية “الإفلات من العقاب” الاستثماري، حيث تُجنى الأموال الطائلة من وراء “الموافقات” دون أن تتحمل الأجهزة الأمنية أي مسؤولية قانونية.
ولكن الأبعاد هنا تتجاوز شخص درة قمبو فهذه الحادثة هي رسالة سياسية وأمنية واضحة ومكتبوبة بالخط العريض مبعوثة إلى كافة السودانيين، وتحديداً إلى النخبة وقادة العمل العام، مفادها أن مصر لم تعد بيئة آمنة.
​واخر قولي:
​بناءً على هذه المعطيات الصادمة، أتوجه برسالة مباشرة وصريحة إلى قادة القوى السياسية والمدنية السودانية المتواجدة حالياً على الأراضي المصرية: عجلوا بالمغادرة فوراً فمصر لم تعد بيئة آمنة لحراككم أو لوجودكم الشخصي.
​إن استمرار تواجدكم في ظل هذه الضبابية الأمنية، حيث يسقط الأمان القانوني وتتحول الوثائق الرسمية السيادية إلى أوراق جباية يمكن إلغاؤها في أي لحظة، يعني رهن إرادتكم وحريتكم لتقلبات وقرارات فجائية قد تصدر ضدكم تحت أي مبرر فمن استهدف قامة صحفية كدرة قمبو لن يتردد غداً في استهداف أي قائد حزبي أو فاعل سياسي، خاصة في ظل بيئة مشحونة بخطابات التحريض والكراهية الممنهجة في الإعلام والتي تعكس رغبة واضحة في التضييق وإغلاق المساحات.
​لقد دق جرس الإنذار مدوياً في مطار القاهرة، وإن البحث عن عواصم وملاذات بديلة تضمن لكم حرية الحركة والتعبير، وتوفر لكم الأمان القانوني الحقيقي الذي لا يُشترى بالمال ولا يُصادر بمزاجية أمنية، لم يعد مجرد خيار سياسي بل هو ضرورة حتمية عاجلة لحفظ أمنكم وأمان القضية السودانية التي تحملون لواءها. ومن لا يستمع لصوت الأجراس اليوم، قد يجد نفسه غداً ضحية لقرار احتجاز أو ترحيل قسري جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.