خيوط الدم التي لا تُرى-2
الحرب في السودان لم تكشف فقط حجم الدمار الإنساني والسياسي، بل كشفت أيضاً هشاشة كثير من الشعارات التي ظلت تُرفع لسنوات باسم الوطن أو الثورة أو العدالة. ومع اشتداد الأزمة، ظهر الفرق بوضوح بين من حمل القضية باعتبارها التزاماً أخلاقياً وتاريخياً، وبين من تعامل معها كوسيلة للصعود السياسي أو باباً للثروة والنفوذ. فهناك من صمد وسط الجوع والنزوح والخوف، متمسكاً بموقفه رغم قسوة الظروف، وهناك من انهار عند أول اختبار، فغيّر ولاءه وتنكر لتاريخه وباع كل شيء مقابل مكاسب مؤقتة.
في الحروب الطويلة، لا يموت الناس بالرصاص وحده، بل تموت فيهم الثقة، وتنهار المعاني والقيم التي كانت تربطهم حول قضية واحدة. ومع امتداد حرب السودان وتعقّد المشهد السياسي والعسكري، لم تعد الخيانة مجرد موقف فردي معزول، بل تحولت عند البعض إلى منهج كامل يقوم على تبديل الولاءات وفق موازين القوة، حتى أصبح الوطن نفسه وكأنه غنيمة تُقسَّم بين الطامعين، لا قضية تُحمى بالتضحيات.
لقد صنعت الحرب طبقة جديدة من المنتفعين الذين اكتشفوا أن الفوضى أكثر ربحاً من السلام، وأن استمرار النزاع يفتح أبواب المال والنفوذ والسلاح والمساومات. هؤلاء لا يرون في دماء المدنيين مأساة وطنية، بل يرون فيها فرصة لتوسيع نفوذهم وإعادة إنتاج أنفسهم في كل مرحلة من مراحل الصراع. لذلك كانوا دائماً قريبين من كل الموائد، يغيرون خطاباتهم كما يغيرون تحالفاتهم، ويبحثون عن مكان آمن داخل أي سلطة قادمة، حتى ولو كان الثمن هو بيع القضية نفسها.
المؤلم في الأمر أن بعض الذين تحدثوا يوماً باسم المظلومين تحولوا مع الوقت إلى جزء من آلة الظلم ذاتها. رفعوا شعارات الحرية والعدالة، لكنهم عندما اقتربوا من السلطة نسوا القرى المحروقة والنازحين والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن تحت خيام النزوح. وحين أصبح المال السياسي أقوى من الضمير، اختفى صوت المبادئ وارتفعت أصوات الصفقات والتحالفات المؤقتة.
وفي السودان، لم تكن الخيانة دائماً واضحة أو مباشرة، بل جاءت أحياناً في صورة صمت مريب، أو تبرير للجرائم، أو مساواة بين الضحية والجلاد. فهناك من اختار أن يرى المأساة بعين المصالح لا بعين الوطن، ولذلك ظل يتنقل بين المعسكرات باحثاً عن موقع يضمن له البقاء، حتى لو احترقت البلاد كلها.
لكن الشعوب، مهما أرهقتها الحروب، تدرك في النهاية من كان وفياً ومن كان تاجراً. فالأوطان لا تُبنى بالبيانات الرنانة ولا بالمواقف المتقلبة، بل تُبنى برجال يثبتون عندما يهرب الجميع. والتاريخ السوداني مليء بأسماء اختفت لأنها باعت نفسها للسلطة، وأسماء بقيت حاضرة لأنها دفعت ثمن مواقفها بصدق وشرف.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو أن يتحول بعض أبنائها إلى سماسرة حرب، يتحدثون عن الوطن بينما يقتاتون على جراحه. وعندما تصبح المعاناة مصدراً للثروة، يصبح السلام تهديداً لمصالح الكثيرين؛ ولذلك يطول النزاع وتتكرر المآسي، ويبقى المواطن البسيط وحده من يدفع الثمن.
وفي النهاية، ستسقط كل الأقنعة مهما طال الزمن. فالحروب لا تكشف فقط قوة الرجال، بل تكشف أيضاً حجم السقوط الأخلاقي لدى الذين باعوا الدم واعتقدوا أن الشعوب تنسى. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ دائماً هي أن الخيانة قد تمنح صاحبها نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تمنحه احتراماً، ولا تصنع له مكاناً في ذاكرة الأوطان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.