السودان… هل يتحول صراع الفساد داخل “منظمة الدعوة” إلى مواجهة مسلحة بين فصائل الإخوان؟

محمد سبتي

لم تعد الصراعات المكتومة داخل أروقة تنظيم الإخوان المسلمين في السودان مجرد تلاسن إعلامي أو تباين وجهات النظر؛ بل خرجت إلى العلن لتتحول إلى معركة كسر عظم قضائية وسياسية تعصف بواحدة من أقوى أذرع التنظيم المالية والدعوية في القارة السمراء: “منظمة الدعوة الإسلامية” (مدى).

غير أنّ المؤشرات الحالية تكشف عن سيناريو أكثر قتامة؛ إذ يرى مراقبون أنّ هذا النزاع القضائي المحتدم مرشح بقوة للتحول إلى “صراع مسلح” مباشر بين أجنحة التنظيم المتناحرة، بالنظر إلى طبيعة النفوذ العسكري والميليشياوي الذي يمتلكه كل طرف.

منصات القضاء ووعيد السلاح

وفقاً لتفاصيل الأزمة التي تفجرت في أيار (مايو) الجاري، يتنازع على شرعية إدارة المنظمة فصيلان؛ الأول يقوده الأمين العام الجديد يحيى آدم عثمان “المدعوم من مجلس الأمناء”، والثاني يتمسك بالأمين العام السابق أحمد محمد آدم الذي طعن في قانونية الإطاحة به. وفيما تبادل الطرفان رفع الدعاوى أمام المحاكم السودانية وسط اتهامات بوجود “مخالفات مالية جسيمة”، فإنّ الخطورة تكمن في ما وراء الجدران القانونية؛ حيث يمتلك كل فصيل داخل هذه المنظمة نفوذاً يتيح له توظيف ميليشيات مسلحة تابعه له لدعمه ومساندته إذا تطلب الأمر ذلك، ممّا يجعل من فرضية الصدام العسكري خياراً مطروحاً بقوة لترجيح كفة طرف على الآخر.

وتشير أصابع الاتهام والتقارير الإعلامية، ومنها ما أورده موقع (إندبندنت)، إلى أنّ جذر الخلاف يمتد إلى مجموعة يتزعمها الأمين العام للحركة الإسلامية “إخوان السودان” علي كرتي، المتورطة في ملفات فساد عديدة أحاطت بأنشطة المنظمة خلال السنوات الماضية، وهو جناح يمتلك عدة أذرع شبه عسكرية فاعلة على الأرض.

خلفية الأخطبوط: من الحظر إلى الرعاية الرسمية

لتفكيك أبعاد هذه المواجهة، لا بدّ من العودة إلى الخلفية التاريخية للمنظمة التي تأسست عام 1980 وحظيت بامتيازات استثنائية في حقبة عمر البشير، حتى إنّها كانت المقر الذي صيغ فيه بيان انقلاب الإخوان عام 1989. وعقب سقوط نظام البشير أصدرت “لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد” قراراً حاسماً بحل المنظمة ومصادرة ممتلكاتها وشركاتها، بتهمة أنّها تشكل معقلاً رئيسياً للتمكين الفاسد وتوظيف الاستثمارات لصالح التنظيم.

ورغم ذلك القرار، نجحت المنظمة في العودة لممارسة أعمالها وأنشطتها بشكل طبيعي، مستفيدة من قرار الجيش حل لجنة إزالة التمكين عقب إجراءات تشرين الأول (أكتوبر) 2021. واليوم تمارس المنظمة أنشطتها الاستثمارية والدعوية برعاية كاملة من حكومة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في العاصمة المؤقتة بورتسودان، التي تحاول ترتيب أوراق أذرع الإخوان مجدداً.

واجهة إنسانية بنكهة تخريبية

في قراءة لتداعيات هذا الصراع المتفجر، أكد المحلل السياسي السوداني، سيبويه يوسف، في تصريح لـ (العين الإخبارية) أنّ “منظمة الدعوة الإسلامية” كانت طوال عقود السند الأساسي والممول الأول لميليشيات الإخوان في السودان، مشيراً إلى أنّ نشاطها تحول تماماً من الإغاثة إلى العمل السياسي التخريبي، واحتضان عناصر متطرفة تسعى لزعزعة استقرار النظم السياسية في القارة الأفريقية.

من جانبه، اعتبر المحلل السياسي، النجمي عثمان، أنّ حظر التنظيم وتصنيفه إرهابياً في الولايات المتحدة ومصر والإمارات ضيّق الخناق دولياً على المنظمة، ممّا جعل قيادات الإخوان الهاربة والمحتمية بسلطة بورتسودان تستميت في صراعها الداخلي للسيطرة على هذه المنظمة والجيش باعتبارهما الملاذ المالي والعسكري الأخير لبقائهم، حتى لو تطلب الأمر تحويل أروقة المنظمة الدعوية إلى ساحة حرب بالذخيرة الحية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.