التعليم في السودان.. من منارات “بخت الرضا” إلى ركام “التمكين” والأدلجة

تقرير ـ عين الحقيقة

كان التعليم في السودان، إلى وقت قريب، يمثل العمود الفقري للدولة ومنارة يسترشد بها الجوار الإقليمي. لم يكن مجرد فصول دراسية، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا تخرجت منه كفاءات قادت مؤسسات دولية وأسهمت في نهضة دول الخليج. غير أن وصول الجبهة الإسلامية إلى السلطة عام 1989 مثّل نقطة تحول فارقة، إذ تعرض هذا الصرح لعملية تدمير ممنهجة حولته من أداة للتنوير وبناء الإنسان إلى وسيلة للتمكين السياسي والأيديولوجي.

عصر “بخت الرضا”.. عندما كان المعلم رسولاً

في حقبة ما قبل 1989، كان معهد بخت الرضا يشكل القلب النابض للعملية التعليمية في السودان. وتميزت تلك الفترة بمناهج رصينة أعدها خبراء تربويون بعيدًا عن التجاذبات السياسية، فيما كان التعليم مجانيًا ومتاحًا للجميع، تدعمه الدولة بميزانيات وفرت الكتاب المدرسي والوجبة المدرسية والبيئة التعليمية المناسبة.
وكان المعلم يحتل مكانة اجتماعية رفيعة، إذ تكفل له رواتبه حياة كريمة وتحفظ له هيبته داخل المجتمع. ولم يكن مضطرًا للبحث عن مصادر دخل إضافية أو مزاولة أعمال أخرى، بل كان متفرغًا بالكامل لأداء رسالته التربوية وصناعة الأجيال.

1989.. بداية التحول

مع وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم، بدأت تغييرات جذرية في بنية التعليم تحت شعارات مثل “ثورة التعليم العالي” و”أسلمة المناهج”. ويرى مراقبون أن الهدف لم يكن تطوير العملية التعليمية بقدر ما كان إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية محددة.
وشهدت تلك المرحلة تطبيق سياسة “الصالح العام” التي أدت إلى إبعاد آلاف المعلمين والأكاديميين من ذوي الخبرة والكفاءة، واستبدالهم بعناصر موالية للنظام.

وأدى ذلك إلى فقدان المؤسسات التعليمية جزءًا كبيرًا من خبراتها المتراكمة، وانعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته.
مناهج مؤدلجة وتمويل متراجع
خلال السنوات اللاحقة، تعرضت المناهج الدراسية لتعديلات واسعة شملت إدخال مضامين ذات طابع أيديولوجي على حساب العلوم والرياضيات واللغات، ما ساهم في تراجع مستويات التحصيل الأكاديمي.

وفي الوقت نفسه، تراجعت مخصصات التعليم بصورة كبيرة، بينما استحوذت قطاعات أخرى على النصيب الأكبر من الإنفاق العام. ونتيجة لذلك، شهدت المدارس الحكومية تدهورًا ملحوظًا في البنية التحتية ونقصًا في الوسائل التعليمية، بالتزامن مع توسع قطاع التعليم الخاص.

كما انعكس ضعف التمويل على البيئة المدرسية بصورة عامة، حيث أصبحت العديد من المؤسسات التعليمية تعاني من الاكتظاظ ونقص المعلمين والمعينات الدراسية.

المعلم.. من رمز للهيبة إلى ضحية للأزمة

كان المعلم السوداني من أكثر الفئات تضررًا من التحولات الاقتصادية والسياسات التعليمية خلال العقود الماضية. فقد تراجعت الرواتب بصورة كبيرة، وأصبحت غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من المعلمين إلى الهجرة أو البحث عن أعمال إضافية لتوفير احتياجات أسرهم.
وأدى هذا الواقع إلى تآكل المكانة الاجتماعية للمعلم وإضعاف قدرته على أداء رسالته التعليمية بالشكل المطلوب، في وقت كانت فيه المؤسسات التعليمية تواجه تحديات متزايدة على مختلف المستويات.

حصاد سنوات التراجع

اليوم يقف السودان أمام أزمة تعليمية معقدة تراكمت آثارها عبر عقود من السياسات المتقلبة وضعف التمويل وهجرة الكفاءات. ويجمع كثير من المختصين على أن إصلاح التعليم يتطلب مراجعة شاملة للمناهج، وإعادة الاعتبار للمعلم، وتوفير الموارد اللازمة لإعادة بناء المؤسسات التعليمية.
وبين أمجاد الماضي التي مثلتها تجربة بخت الرضا، والتحديات التي يواجهها التعليم اليوم، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة السودان على استعادة أحد أهم القطاعات التي شكلت يومًا مصدر فخر وتميز للبلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.