​بطباشير الأمل وأمعاء خاوية.. أزمة أجور المعلمين تنذر بانهيار المنظومة التعليمية

تقرير ـ عين الحقيقة

​في وقت تعيش فيه البلاد مخاضاً اقتصادياً وسياسياً معقداً، دقت نقابات وروابط تعليمية سودانية ناقوس الخطر، محذرة من كارثة حقيقية تعصف بمستقبل ملايين الطلاب، وذلك على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية للمعلمين ووصولها إلى حد غير مسبوق من التدني في ظل غلاء طاحن بات يطحن عظام الجميع. و لخص الأستاذ الضي الأمين، الواقع المرير الذي يعيشه قطاع التعليم خلف الجدران، كاشفاً عن تفاصيل مأساوية في كشوفات المرتبات الرسمية.

تظهر كشوفات المرتبات فجوة سحيقة بين دخل صانع الأجيال والحد الأدنى لمتطلبات الحياة الأساسية في السودان ، حيث يتقاضى معلم الدرجة الأولى (أعلى الهيكل الوظيفي) مبلغ 200 ألف جنيه سوداني فقط

حيث ​تظهر كشوفات المرتبات فجوة سحيقة بين دخل صانع الأجيال والحد الأدنى لمتطلبات الحياة الأساسية في السودان ، حيث يتقاضى معلم الدرجة الأولى (أعلى الهيكل الوظيفي) مبلغ 200 ألف جنيه سوداني فقط، وهو مبلغ لا يكفي لإعاشة أسرة لعدة أيام. وتتدرج الرواتب هبوطاً لتصل إلى 138 ألف جنيه لـالدرجة الثالثة، و94 ألف جنيه لـالدرجة السابعة. ​أما الصدمة الكبرى فتمثلت في أجور الدرجات العمالية التي توقفت عند 34 ألف جنيه فقط، وهو مبلغ ضئيل لا يغطي كلفة مواصلات وتنقل العامل لأسبوع واحد، مما حول هذه الرواتب إلى مجرد أرقام رمزية تثير الضحك والبكاء في آن واحد.
​ولم تقف الأزمة عند حد هزال الرواتب الهيكلية، بل تعدتها إلى أزمة “تجميد الصرف” والتعنت الإداري. و شكا معلمون من تفاقم حجم الحقوق المهدرة ، والتي تلخصت في مواجهتهم لـ 14 شهراً من المتأخرات المالية المجمّدة التي لم تصرف حتى الآن، فضلاً عن 6 أشهر أخرى من الرواتب المنقوصة بدواعي العجز المالي. ​هذا الحرمان المالي امتد ليمس الجانب الإنساني والاجتماعي لأسر المعلمين، حيث مرت عليهم 6 أعياد دينية مباركة متتالية دون صرف أي حوافز أو منشآت، مما حرم أطفالهم بهجة العيد وفرحته وسط زملائهم.

واجهت الكوادر التعليمية موجات من التخوين والتهديد الإداري والأمني، وصولاً إلى إصدار قرارات بالنقل التعسفي لقرى ومناطق نائية كعقوبة صريحة على المطالبة بالكرامة.

اما الجانب الأكثر قتامة في المشهد، بحسب ما نقله تربويون ، هو طبيعة رد الفعل الرسمي تجاه المطالبات السلمية بالحقوق. فبدلاً من فتح قنوات حوار موضوعية لإنصاف المعلم وتأمين لقمة عيش أبنائه، واجهت الكوادر التعليمية موجات من التخوين والتهديد الإداري والأمني، وصولاً إلى إصدار قرارات بالنقل التعسفي لقرى ومناطق نائية كعقوبة صريحة على المطالبة بالكرامة.
و ​يؤكد قادة الحراك التعليمي في السودان أن معركتهم من أجل النهوض بالمعلم والعملية التعليمية مستمرة ، معتبرين أن سلاحهم في ذلك هو “الطباشير والأقلام” من أجل حماية مستقبل الأبناء، ومشددين على أن البلد الذي يُهين معلمه لن تقوم له قائمة أبداً.
​وقد لاقت هذه الصرخة تضامناً واسعاً من الأسر السودانية التي باتت تخشى على مستقبل أبنائها من شبح “التجهيل” وإغلاق المدارس المستمر نتيجة الإضرابات القسرية. إن الواقع الراهن يضع سلطات الامر الواقع أمام مسؤولية تاريخية، فاستمرار تجاهل هذه المطالب لن يؤدي فقط إلى هجرة ما تبقى من كفاءات تعليمية، بل سيؤدي بالضرورة إلى رهن مستقبل الجيل القادم لظلمات الجهل والضياع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.