ولاية الجزيرة: العصا الإدارية أداةً لكسر إضراب المعلمين.. و”البراء” بديلاً عن الكفاءة
تقرير : عين الحقيقة
104 معلم ومدير بين النقل التعسفي والإعفاء الجماعي في مشهد يعيد إنتاج أساليب الحركة الإسلامية في قمع الحراك المطلبي
لم تكد تمضي أيام على إعلان المعلمين في ولاية الجزيرة دخولهم إضراباً شاملاً احتجاجاً على تدني الأجور وتردي أوضاعهم المعيشية، حتى ردّت وزارة التربية والتوجيه بما بات يُعرف في قاموس السلطة السودانية بـ”السلاح الإداري”؛ إذ أصدرت قرارات نقل وإعفاء طالت 104 معلمين ومديرين، في مشهد يكشف بجلاء أن المسألة لم تكن يوماً تنظيماً وظيفياً، بل عقاباً جماعياً مُبرمجاً.
تشير الأرقام إلى حجم الاستهداف الممنهج؛ فمن بين المتضررين 84 معلماً ومعلمةطالتهم قرارات النقل التعسفي، فضلاً عن إعفاء 20 مديراً ومديرة مدرسةمن مناصبهم دفعةً واحدة..
تشير الأرقام إلى حجم الاستهداف الممنهج؛ فمن بين المتضررين 84 معلماً ومعلمةطالتهم قرارات النقل التعسفي، فضلاً عن إعفاء 20 مديراً ومديرة مدرسةمن مناصبهم دفعةً واحدة، وهو رقم لا يمكن تفسيره بأي منطق إداري سليم. وقد تمركزت غالبية هذه القرارات في محليات جنوب الولاية، التي شهدت أعلى معدلات الالتزام بالإضراب، وهو تفصيل جغرافي يُسقط تماماً رواية “التنقلات الدورية”. والأكثر دلالةً أن هذه القرارات صدرت في توقيت متزامن تماماً مع الساعات الأولى لتصاعد الحراك العمالي، في رسالة واضحة مفادها: من يتحرك يُعاقَب.
غير أن المشهد لم يكتفِ بالقرارات الإدارية دليلاً على النوايا، إذ سبق لـمدير عام التعليمفي الولاية أن أطلق تصريحاً كاشفاً، أعلن فيه صراحةً عزمه استبدال المعلمين المضربين بأفراد من مليشيات البراء؛ وهو تصريح لم يُدِنه مسؤول واحد، بل جاء ليرسم الصورة كاملة: مؤسسة تعليمية تُدار بمنطق الميليشيا، لا بمنطق الكفاءة والاحتراف. وبهذا التصريح تسقط آخر أوراق التوت عن مقولة “التنقلات الروتينية”، ليتضح أن الوزارة لا تدير مدارس، بل تُدير ملفاً أمنياً.
لمن يعرف تاريخ الحركة الإسلامية السودانية في إدارة الخلافات مع الكوادر المهنية، لن يجد في هذا المشهد جديداً.
منذ انقلاب يونيو 1989، ارتكزت هذه الحركة على ركائز أساسية لقمع أي حراك مطلبي مستقل، حيث وظّفت *التطهير الوظيفي* كأداة إقصاء تحت لافتة إعادة الهيكلة والترشيد، وصاحب ذلك *ترهيب فردي* تمثّل في النقل الانتقامي والإعفاءات المفاجئة، وصولاً إلى *الإحلال الأيديولوجي* الذي استُبدلت بموجبه الكفاءات المهنية بعناصر موالية دون النظر لمؤهلاتها. وما يجري في ولاية الجزيرة اليوم ليس إلا نسخةً معاد تدويرها من هذا الأسلوب، بفارق واحد هو أن الميليشيا أصبحت تُذكر بالاسم في التصريحات الرسمية.
بيد أن الرهان على الإذعان يبدو هذه المرة في غير محله. فقد أدانت لجنة المعلمين السودانيين هذه القرارات بشكل قاطع، واصفةً إياها بـ”المحاولة الفاشلة لتكميم الأفواه باستغلال الإجراءات الإدارية أداةً للترهيب” ، وأكد المعلمون في بيانات متلاحقة أن هذه العقوبات لن تُوقف الإضراب، مُعلنين الانتقال إلى مرحلة الإضراب المتدرج، في إشارة إلى أن القرارات العقابية لم تُضعف الحراك، بل زادت من تماسكه.
حين تلجأ وزارة مكلّفة بالتعليم إلى ميليشيا مسلحة لتعليم الأطفال، وحين تُصبح قرارات النقل الوظيفي سلاحاً في وجه من يطالبون بأجر عادل، فإن الأزمة لم تعد أزمة معلمين ومطالب، بل صارت أزمة دولة تستعيض عن المؤسسة بالقوة، وعن الحوار بالعقوبة. والسؤال الذي يطرحه المشهد ليس: هل سيستمر الإضراب؟ بل: إلى متى يمكن إدارة مدرسة بمنطق الثكنة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.