في الوقت الذي تتحدث فيه حكومة بورتسودان عن بناء دولة القانون والمؤسسات واستعادة الاستقرار السياسي، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الصحافة والتعبير، بعد سلسلة من الإجراءات القانونية والتدابير الإدارية التي استهدفت صحفيين وإعلاميين ومؤسسات إعلامية ومواقع إلكترونية خلال الأشهر الماضية.
وجاءت أحدث هذه التطورات مع إعلان لجنة العدالة الدولية والمحاسبة (CIJA) عن قلقها إزاء مذكرة التوقيف الصادرة بحق الصحفية السودانية صباح محمد الحسن، بموجب بلاغ جنائي تضمّن اتهامات خطيرة تشمل تقويض النظام الدستوري، وشن الحرب ضد الدولة، والتحريض على الكراهية ضد القوات النظامية، ونشر الأخبار الكاذبة وإثارة الفتنة.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة، إذ لم تعد مجرد نزاع قانوني بين صحفية وجهة رسمية، بل تحولت إلى مؤشر جديد على طبيعة العلاقة بين السلطة والصحافة في مناطق سيطرة حكومة بورتسودان، ومدى التزام السلطات بالشعارات التي ترفعها بشأن الحريات وحقوق الإنسان.
ولجنة العدالة الدولية والمحاسبة، وهي منظمة دولية متخصصة في جمع الأدلة المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، اعتبرت أن توجيه مثل هذه الاتهامات للصحفيين بسبب أعمالهم الإعلامية أو آرائهم يمثل مصدر قلق بالغ، خصوصاً في ظل تصاعد الملاحقات القضائية المرتبطة بالنشر في السودان.
ولم يقتصر الأمر على المواقف الدولية، إذ شهدت بورتسودان تحركاً احتجاجياً لافتاً من قبل عدد من الصحفيين والإعلاميين الذين سلموا مذكرة إلى النيابة العامة رفضاً لمحاكمة الصحفيين بموجب قانون جرائم المعلوماتية، مطالبين بمراجعة القوانين المنظمة للعمل الصحفي وضمان معالجة قضايا النشر عبر الأطر القانونية المتخصصة، بدلاً من اللجوء إلى القوانين ذات الطابع الجنائي أو الأمني.
وتضع هذه التطورات المتسارعة وزير الإعلام خالد الإعيسر في دائرة المساءلة السياسية والمهنية. فالرجل الذي يُفترض أن يكون المدافع الأول عن حرية الصحافة والعاملين في المجال الإعلامي، لم يصدر عنه موقف واضح أو مبادرة عملية لمعالجة حالة الاحتقان المتنامية بين المؤسسات العدلية والصحفيين.
ويرى صحفيون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن وزارة الإعلام لم تكتفِ بالغياب عن معركة الدفاع عن الحريات الصحفية، بل ساهمت في تعقيد المشهد من خلال إصدار استمارات وإجراءات تنظيمية خاصة بالنشر الإلكتروني، اعتبرها كثيرون محاولة لفرض قيود إضافية على المنصات الإعلامية والمواقع الإلكترونية.
ويعتقد هؤلاء أن تلك التدابير تُقرأ في سياق أوسع يتجه نحو تشديد الرقابة على الفضاء الإعلامي والحد من الأصوات الناقدة للسلطة، خاصة فيما يتعلق بالنقاشات المرتبطة بدور الحركة الإسلامية وتداعيات حرب الخامس عشر من أبريل 2023. ويذهب بعضهم إلى أن الوزير انشغل بإرضاء دوائر النفوذ السياسية والعسكرية أكثر من انشغاله بحماية الصحفيين والدفاع عن حقهم في الوصول إلى المعلومات ونشرها.
فالدفاع عن حرية الصحافة لا يتحقق عبر التصريحات الرسمية أو المشاركات البروتوكولية في الفعاليات الإعلامية، وإنما عبر اتخاذ مواقف واضحة عندما يواجه الصحفيون اتهامات قد تصل عقوباتها إلى مستويات بالغة الخطورة بسبب مواد صحفية أو آراء منشورة.
ويعتقد كثير من الصحفيين أن استمرار الصمت الرسمي من وزارة الإعلام يبعث برسالة سلبية إلى الوسط الصحفي، مفادها أن الوزارة غير قادرة أو غير راغبة في التدخل لحماية البيئة المهنية التي يُفترض أنها مسؤولة عن تطويرها وصونها.
ولا تقف الأسئلة عند حدود وزارة الإعلام، بل تمتد إلى رئيس الوزراء د. كامل إدريس، الذي تولى منصبه وسط وعود بإطلاق مسار إصلاحي يعزز حكم القانون ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر انفتاحاً وعدالة. فالحكومة التي تسعى إلى تعزيز شرعيتها داخلياً وخارجياً مطالبة بإثبات التزامها العملي بالحريات الأساسية، لا الاكتفاء بترديد الشعارات العامة.
ويقول متابعون إن أي حكومة تسعى إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي لا يمكنها تجاهل التقارير الحقوقية المتزايدة بشأن أوضاع الصحافة والحريات العامة. كما أن نجاحها في إدارة الملفات السياسية والأمنية لن يكون كافياً إذا ترافق مع تضييق المجال العام وملاحقة الأصوات الناقدة.
أما النيابة العامة في بورتسودان، فتواجه انتقادات متنامية بسبب الطريقة التي تُدار بها بعض القضايا المرتبطة بالنشر والتعبير. فبدلاً من الاحتكام إلى قوانين الصحافة والمطبوعات أو المعالجات المهنية المتعارف عليها، يجري اللجوء في بعض الحالات إلى نصوص قانونية ذات طبيعة أمنية واستثنائية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من توسيع دائرة التجريم في مواجهة العمل الصحفي.
ويرى قانونيون أن استخدام مواد تتعلق بالإرهاب أو تقويض النظام الدستوري في قضايا مرتبطة بالنشر قد يخلق سابقة خطيرة تؤثر على مناخ الحريات مستقبلاً، وتدفع الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية خشية التعرض للملاحقة القانونية.
وفي ظل استمرار الحرب والانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد، تصبح الحاجة إلى إعلام حر ومستقل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالصحافة ليست خصماً للدولة، بل إحدى الأدوات الأساسية لكشف الأخطاء ومراقبة الأداء العام ونقل معاناة المواطنين وصناعة الوعي المجتمعي.
كما أن تقييد العمل الصحفي لا يؤدي إلى معالجة الأزمات أو تحسين صورة السلطات، بل يفتح الباب أمام مزيد من الشكوك والانتقادات، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية.
إن القلق الذي عبّرت عنه المنظمات الدولية، والاحتجاجات التي نظمها الصحفيون في بورتسودان، لا يتعلقان بحالة فردية أو قضية محددة فحسب، وإنما يعكسان أزمة أوسع تتعلق بمستقبل الحريات العامة في السودان.
واليوم، تقف حكومة بورتسودان أمام اختبار حقيقي: فإما أن تنحاز إلى مسار الانفتاح واحترام حرية التعبير وسيادة القانون، أو تستمر في النهج الذي يرى فيه كثيرون اتجاهاً نحو تضييق المجال العام وإخضاع الصحافة لأدوات الملاحقة الجنائية التي تلبي رغبات الحركة الإسلامية وكتائبها، التي تسيطر على مفاصل الحرب والقرار الحكومي في بورتسودان.
وفي نهاية المطاف، تُقاس الدول بقوة مؤسساتها وقدرتها على استيعاب النقد، لا بقدرتها على ملاحقة منتقديها. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتعامل حكومة بورتسودان مع الصحافة كشريك في بناء الدولة، أم كخصم يجب إخضاعه؟ الإجابة لن تأتي من التصريحات الرسمية، بل من الوقائع التي تتكشف يوماً بعد يوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.