تُعد العلاقة بين السودان ومصر واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في المنطقة، فهي علاقة تجمع بين التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، لكنها في الوقت نفسه مثقلة بإرث طويل من الخلافات السياسية والحدودية والتباينات في الرؤى الاستراتيجية.
في السودان، لا ينظر كثيرون إلى السياسات المصرية باعتبارها سياسات دولة جارة فحسب، بل يرون فيها امتداداً لعقلية تاريخية لم تتخلص بالكامل من تصور السودان بوصفه مجالاً حيوياً للأمن القومي المصري. وقد تعزز هذا الشعور عبر محطات عديدة، أبرزها استمرار النزاع حول حلايب وشلاتين وأبو رماد، وهي القضية التي تمثل بالنسبة للسودانيين رمزاً لملف سيادة لم يجد طريقه إلى الحل العادل والمتفق عليه.
ولم تتوقف أسباب التوتر عند النزاع الحدودي، بل امتدت إلى ملفات أخرى تتعلق بمياه النيل وسد النهضة والتوازنات الإقليمية. فبينما تنظر القاهرة إلى هذه القضايا من زاوية مصالحها الاستراتيجية وأمنها المائي، يرى قطاع واسع من السودانيين أن المواقف المصرية كثيراً ما سعت إلى توجيه القرار السوداني بما يتوافق مع الأولويات المصرية أكثر مما يراعي المصالح السودانية المستقلة.
ومع اندلاع الحرب السودانية الحالية، تصاعدت الاتهامات المتبادلة بشأن أدوار القوى الإقليمية المختلفة. وفي هذا السياق، برزت اتهامات موجهة إلى مصر بدعم أطراف محددة داخل المشهد السوداني. ورغم أن كثيراً من هذه الاتهامات لا تزال بحاجة إلى أدلة قاطعة وتحقيقات مستقلة، فإن مجرد انتشارها بهذا الحجم يعكس حجم أزمة الثقة التي باتت تحكم نظرة قطاعات واسعة من السودانيين تجاه الدور المصري.
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في السياسات الراهنة، بل في غياب علاقة متوازنة تقوم على الاعتراف الكامل باستقلال القرار الوطني السوداني. فالدول لا تبني علاقاتها المستقرة على التبعية أو الوصاية، وإنما على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية.
كما أن النقاش السوداني حول مصر ينبغي ألا يتحول إلى خطاب عاطفي أو رد فعل مؤقت، بل إلى مراجعة استراتيجية شاملة لكيفية إدارة العلاقات الخارجية السودانية وفقاً لأولويات السودان نفسه. فالمطلوب ليس استبدال تبعية بتبعية أخرى، ولا الانخراط في محاور إقليمية متصارعة، وإنما بناء سياسة خارجية مستقلة تنطلق من المصالح الوطنية السودانية أولاً.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنجح في حماية مصالحها ليست تلك التي ترفع الشعارات الأكثر حدة، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قوية ورؤية استراتيجية واضحة وقدرة على إدارة علاقاتها الخارجية بندية واحترام متبادل.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل فقط في كيفية التعامل مع مصر أو غيرها من القوى الإقليمية، بل في بناء دولة قادرة على فرض احترام سيادتها وصناعة قرارها الوطني بعيداً عن تأثيرات الخارج، أياً كان مصدرها أو حجمها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.