أثار تكريم جمهورية جنوب السودان مؤخرًا للضابط الإسرائيلي المتقاعد ديفيد بن أوزيل، المعروف بلقب»
«الجنرال جون»، ومنحه رتبة عسكرية فخرية ضمن قوات دفاع شعب جنوب السودان، جدلًا واسعًا، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة بشأن طبيعة العلاقات التاريخية والجيوسياسية المعقدة في المنطقة.
وجاء هذا التكريم تقديرًا للدور الذي أداه بن أوزيل في دعم حركة «الأنانيا» خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى في ستينيات القرن الماضي، الأمر الذي أحيا النقاش حول طبيعة مشروع انفصال جنوب السودان، وما إذا كان يمثل نضالًا محليًا خالصًا أم جاء في سياق ترتيبات دولية وإقليمية أوسع أثّرت في مسار السودان السياسي.
ويستعرض هذا التقرير السياقات التاريخية والسياسية المرتبطة بالحدث، ويناقش أبرز وجهات النظر بشأن دلالات التكريم وانعكاساته على المشهد الإقليمي.
ديفيد بن أوزيل ودور الموساد في جنوب السودان
ديفيد بن أوزيل، المولود في مدينة حيفا عام 1935، ضابط سابق في جهاز الموساد الإسرائيلي، برتبة مقدم في جيش الدفاع الإسرائيلي. بدأ مسيرته العسكرية خلال حرب عام 1948، ثم التحق بالموساد عام 1968.

وفي عام 1969، قاد بن أوزيل بعثة لدعم قوات “الأنانيا” خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى. وشملت المهمة إنشاء مهبط طائرات مؤقت داخل الغابات لتأمين عمليات إسقاط الإمدادات، بما في ذلك المعدات الطبية واللقاحات والزي العسكري والأسلحة.
ويرتبط هذا الدعم بما عُرف في الأدبيات السياسية الإسرائيلية بـ”عقيدة الأطراف”، وهي استراتيجية هدفت إلى بناء علاقات مع دول غير عربية أو مع جماعات وأقليات داخل الدول العربية، بما يعزز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
منظور جنوب السودان: تقدير للدعم التاريخي
من وجهة نظر جنوب السودان، يمثل تكريم ديفيد بن أوزيل اعترافًا بالدعم الذي قدمته إسرائيل خلال سنوات الحرب والسعي إلى تقرير المصير.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن بن أوزيل كان حليفًا تاريخيًا أسهم في دعم الحركة الجنوبية خلال مرحلة بالغة التعقيد، وأن تكريمه يجسد وفاءً للذاكرة الوطنية تجاه الجهات التي ساندت الجنوب في تلك الفترة.
وبعد استقلال جنوب السودان عام 2011، كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة، كما كانت من أوائل الوجهات الخارجية التي زارها الرئيس سلفا كير ميارديت عقب الاستقلال.

المنظور السوداني: تدخلات خارجية ومشروع للتفكيك
في المقابل، يرى كثير من السودانيين أن تكريم بن أوزيل يعيد التأكيد على الدور الذي لعبته التدخلات الخارجية في مسار انفصال جنوب السودان.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن الانفصال لم يكن نتيجة صراع داخلي فحسب، بل تأثر أيضًا بعوامل دولية وإقليمية أسهمت، بحسب هذا الرأي، في إضعاف السودان وتقسيمه.
كما يشير أصحاب هذا الرأي إلى استمرار العلاقات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل وجنوب السودان بعد الاستقلال، بما يشمل التعاون في مجالات التدريب والتسليح والتكنولوجيا الأمنية.
حق سيادي أم رمز لتدخلات خارجية؟
يفتح تكريم بن أوزيل بابًا واسعًا للنقاش حول دلالاته السياسية والتاريخية.
فمن منظور جنوب السودان، يُعد التكريم حقًا سياديًا لدولة مستقلة في الاحتفاء بمن تعتبره أحد الداعمين لقضيتها خلال سنوات الحرب. أما من منظور قطاع من السودانيين، فإنه يمثل تذكيرًا بالدور الذي لعبته التدخلات الخارجية في الصراعات التي انتهت بانفصال جنوب السودان.

ما بعد الانفصال… هل تحققت التطلعات؟
رغم إعلان استقلال جنوب السودان، واجهت الدولة الوليدة لاحقًا صراعات داخلية وأزمات إنسانية وأمنية معقدة، حالت دون تحقيق الاستقرار والتنمية بالصورة التي كانت مأمولة.
ويرى مراقبون أن تاريخ المنطقة يعكس حجم تأثير التدخلات السياسية والعسكرية والاقتصادية الخارجية في تشكيل مسارات الصراع، وأن السودان وجنوب السودان لا يزالان يواجهان تحديات كبيرة مرتبطة بإرث تلك المرحلة.
وفي المحصلة، يحمل تكريم جنوب السودان للضابط الإسرائيلي المتقاعد ديفيد بن أوزيل أبعادًا تاريخية وسياسية متشابكة تتجاوز شخصه إلى إرث العلاقات الإقليمية والصراعات التي شهدتها المنطقة.
فبينما يراه البعض اعترافًا بدعم تاريخي أسهم في مسيرة جنوب السودان نحو تقرير المصير، يعتبره آخرون رمزًا لتدخلات خارجية كان لها أثر في إعادة تشكيل خريطة السودان.
وبصرف النظر عن تباين التفسيرات، فإن هذا الحدث يعكس استمرار حضور التاريخ في تشكيل المشهد السياسي، ويؤكد أن إرث الصراعات والتدخلات الإقليمية والدولية لا يزال يلقي بظلاله على حاضر السودان وجنوب السودان ومستقبلهما.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.