في كل مرة يصدر فيها بيان عن مجلس الأمن الدولي أو القوى الإقليمية بشأن السودان، ينتاب المتابع شعورٌ خانق بالانفصام. تقرأ الكلمات المنمقة عن «القلق البالغ» و«الحفاظ على سيادة السودان ومؤسساته»، ثم تنظر إلى الواقع، إلى العاصمة وكردفان ودارفور، فتجد أن الفجوة بين لغة الدبلوماسية المائعة وحقيقة الدماء والخنادق باتت أوسع من أن تُردم.
اليوم، تقف مدينة الأبيض في قلب هذه المفارقة. فالخطاب الدولي، الذي أدان ــ وبحق ــ حصار قوات الدعم السريع، يصر، في الوقت نفسه، على إغلاق عينيه عن النصف الآخر من الحقيقة داخل المدينة؛ وهي حقيقة يعرفها سكان الأبيض جيدًا ويتجرعون مرارتها كل يوم.
يرى العالم الأبيض مدينةً محاصرةً فحسب، لكنه يتناسى أنها تحولت، بقرار عسكري، إلى ثكنة كبرى ومستودعٍ للبارود. كما يتجاهل المجتمع الدولي أن أعداد البنادق والكتائب العقائدية والمجموعات المسلحة التي جرى حشدها داخل الأحياء تكاد تنافس أعداد المدنيين العزل. وهذه الحشود لا تُعَدُّ للدفاع وحده، بل يُراد لها أن تكون رأس الحربة ومنطلقًا لعمليات هجومية واسعة قد تمتد إلى ما تبقى من قرى ومناطق غرب السودان، تحت الشعار القديم ذاته: «تحرير الأرض من التمرد».
وهنا تبرز المعضلة التي يخشى المجتمع الدولي مواجهتها في أروقة السياسة الواقعية «Realpolitik».. إذ يتعامل مع القيادة الحالية للجيش باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدولة، متجاهلًا، في نظر كثيرين، الإرث السياسي للمؤسسة العسكرية، وما شهدته البلاد من انقلابات عسكرية عطلت مسارات الانتقال الديمقراطي منذ استقلال السودان عام 1956.
كما يغيب عن هذا الخطاب أن الأسلحة التي اشتُريت من موارد الدولة استُخدمت، في مراحل مختلفة من تاريخ الصراع، في حروب داخلية طالت دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وأن الاحتجاجات السلمية التي رفعت شعارات الحرية والعدالة والكرامة قوبلت، في محطات عديدة، بالقمع، ووُصم المحتجون بالتمرد.
إن هذا «العمى الدبلوماسي»، بحسب هذا الطرح، يفتح الباب أمام تبرير استخدام الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التي تنطلق من مراكز السيطرة العسكرية لتضرب مناطق مأهولة بالسكان في الأقاليم المجاورة تحت مبررات عسكرية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
إن الاستمرار في الاحتماء بشعارات «الحياد» أو «حماية مؤسسات الدولة» دون تسمية الوقائع بأسمائها يسهم، عمليًا، في إطالة أمد الحرب. وإذا كان المجتمع الدولي حريصًا بحق على إنسان السودان، فعليه أن يدرك أن المخرج لن يكون بانتصار طرفٍ مسلح على آخر، ولا بإعادة إنتاج الحكم العسكري في ثوب جديد.
فالضغط العادل ينبغي أن يُمارس على الطرفين معًا وبالقدر نفسه: الضغط على قوات الدعم السريع لرفع حصارها عن المدنيين، والضغط على قيادة الجيش لوقف العمليات العسكرية، وإنهاء أي تحالفات مع التشكيلات المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي، والعمل على تهيئة الظروف لتسوية سياسية شاملة.
إن سلام السودان واستقراره لا يمكن أن يتحققا إلا عبر بناء جيش مهني قومي واحد، يخضع بالكامل لسلطة مدنية ديمقراطية، إلى جانب مسار للعدالة والمحاسبة يضع حدًا للإفلات من العقاب. ودون ذلك، ستظل بيانات المجتمع الدولي حبرًا على ورق، وسيبقى المواطن السوداني وحده من يدفع ثمن هذه الحرب.إذا كان المقال مخصصًا للنشر في صحيفة، فيمكن أيضًا صقله ليصبح أكثر قوة من الناحية الأسلوبية والافتتاحية مع الحفاظ على الرأي والمضمون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.