ليس من السهل أن يبلغ التعليم هذا الدرك من الانحدار.
فالتدهور لا يحدث فجأة، وإنما يبدأ بخطوة، ثم بأخرى، حتى يستقر في القاع.
وما تشهده ولاية الجزيرة اليوم يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة رواتب أو بيئة مدرسية أو نقص معلمين فحسب، بل أصبحت أزمة إدارة وأخلاق ومؤسسات.
آخر فصول هذه المأساة هو كشف التنقلات الذي ظهر للرأي العام في ٥ يوليو ٢٠٢٦، بعد أن بدأ العام الدراسي في ١٤ يونيو ٢٠٢٦، أي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من انطلاق الدراسة.
وهنا يفرض المنطق أسئلته قبل أن يطلق أحكامه.
كيف يظهر كشف تنقلات بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بداية العام الدراسي؟
وإذا كانت التنقلات جزءًا من الاستعداد للعام الدراسي، فلماذا لم تُعلن قبل بدايته، كما جرت العادة؟
ومن الذي كان يدير المدارس طوال هذه الفترة؟
وعلى أي أساس وُزعت الأنصبة الدراسية؟
ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل: أن يُنشر الكشف اليوم، بينما يحمل تاريخًا أقدم.
فإذا كان الكشف قد أُعد بالفعل في التاريخ المدون عليه، فلماذا لم يُعلن إلا الآن؟
وإذا لم يكن قد أُعد في ذلك التاريخ، فلماذا يحمل ذلك التاريخ أصلًا؟
هذه أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة، لأنها تمس سلامة الإجراءات وثقة الناس في الإدارة.
ولا تقف علامات الاستفهام عند هذا الحد.
فالمعلوم أن غالبية الموجهين كانوا خلال هذه الفترة مكلفين بأعمال تصحيح الامتحانات.
فمن الذي أعد هذه الكشوف؟
ومتى أُنجزت؟
وتحت أي إشراف إداري؟
ومن اعتمدها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفًا، بل ضرورة لحماية مصداقية مؤسسات التعليم.
أما مضمون الكشف نفسه، فلا يحتاج إلى كثير تفسير.
فالقائمة استهدفت عددًا كبيرًا من المعلمين المضربين، وشملت نقل بعضهم خارج المحلية، في خطوة يراها كثيرون إجراءً عقابيًا أكثر منها تنظيمًا إداريًا.
ولو كانت الغاية سد النقص أو تحقيق المصلحة التعليمية، لصدرت هذه التنقلات قبل بداية العام الدراسي، لا بعد استقراره المفترض بثلاثة أسابيع.
إن الصورة تبدو واضحة: استخدام سلطة النقل الإداري أداةً للضغط على المعلمين بسبب الإضراب، بدلًا من معالجة أسباب الإضراب نفسها.
وحين تتحول القرارات الإدارية إلى وسيلة للعقاب، يفقد القانون روحه، وتفقد الإدارة هيبتها، ويدفع التلاميذ الثمن.
إن إدارة التعليم التي تعجز عن حل مشكلات المعلمين بالحوار، ثم تلجأ إلى التنقلات التعسفية، لا تقدم حلًا للأزمة، وإنما توسعها.
فالخوف لا يبني مدرسة، والانتقام لا يصنع تعليمًا، والقرارات المتأخرة لا تستطيع أن تخفي تناقضات توقيتها.
لقد وصل التعليم في ولاية الجزيرة إلى مرحلة مؤلمة؛ مرحلة يصبح فيها الجدل منصبًا على تاريخ كشف، وتوقيت صدوره، والجهة التي أعدته، بدلًا من جودة التعليم، وتأهيل المعلمين، ومستقبل التلاميذ.
إن القضية لم تعد قضية نقل هذا المعلم أو ذاك، وإنما قضية احترام القانون، ونزاهة الإجراءات، وحق المجتمع في إدارة تعليمية تتصرف بالشفافية والمهنية.
ولذلك، فإن أقل ما يستحقه الرأي العام هو تحقيق إداري مستقل يجيب عن الأسئلة التي يطرحها الجميع: متى أُعد هذا الكشف؟
ولماذا تأخر إعلانه؟
ومن أعده؟
وعلى أي أسس صدرت هذه التنقلات؟
ولكن هل تعتقدون أن ذلك التحقيق ممكنا في ظل هذا التعسف البغيض؟
فإذا كانت الإجراءات سليمة، فلتُعرض الحقائق كاملة أمام الناس.
أما إذا كانت قد شابتها مخالفات، فإن إصلاحها ليس خيارًا، بل واجبًا.
إن التعليم لا ينهار حين تقل الإمكانات، وإنما ينهار حين تغيب العدالة، وتختل المعايير، ويصبح الانتقام سياسة، وتصبح الشفافية آخر ما تفكر فيه الإدارة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.