ليست القضية في أن سفارة السودان في واشنطن تستأجر شركة ضغط سياسي؛ فهذا أمر تسمح به القوانين الأمريكية إذا تم بشفافية وتسجيل رسمي. القضية الأخطر هي: من الذي يتحدث باسم السودان؟ ولأي غاية؟ وبأي مال؟ وهل الهدف خدمة الشعب السوداني المنكوب بالحرب، أم إعادة تسويق بقايا نظام الإنقاذ وواجهاته للحصول على حماية أمريكية سياسية؟القانون الأمريكي المعروف باسم FARA لا يمنع اللوبيات الأجنبية، لكنه يفرض على من يعمل لصالح حكومة أو جهة أجنبية أن يعلن علاقته ونشاطه وأمواله حتى يعرف الشعب الأمريكي وصانع القرار لمن يعمل هذا اللوبي. وزارة العدل الأمريكية تقول إن القانون يطلب إفصاحًا دوريًا عن العلاقة مع الجهة الأجنبية، والأنشطة، والمقبوضات والمصروفات. بحسب تقارير صحفية، تعاقدت سفارة السودان في واشنطن في أغسطس 2025 مع شركة The Vogel Group بمبلغ 40 ألف دولار شهريًا للضغط على الكونغرس والإدارة الأمريكية في قضايا إنسانية وسياسية خارجية. ثم نشرت Sudan Tribune في مارس 2026 أن السفارة تعاقدت مع The Williams Group بمبلغ 60 ألف دولار شهريًا لتقديم استشارات استراتيجية ومساعدة في العلاقات الحكومية. وإذا صحت الأرقام المتداولة في المنشور المرفق، فإننا أمام نمط واضح: مال عام سوداني يخرج في زمن الجوع والنزوح والدواء المفقود، لشراء آذان في واشنطن.وهنا يجب أن نفرق بين الدبلوماسية الشرعية والدبلوماسية الملوثة. من حق أي دولة أن تدافع عن مصالح شعبها أمام الإدارة الأمريكية. لكن ليس من حق واجهات دولة مخطوفة بالحرب وبقايا الإسلام السياسي أن تستخدم اسم السودان لتبييض سجل الذين دمّروا الدولة، وأشعلوا الحروب، ومكّنوا الفساد، وفتحوا البلاد لعلاقات مشبوهة مع الإرهاب والارتزاق والنهب.إن اللوبي في واشنطن لا يعمل بالعاطفة ولا بالمبادئ. يعمل بالعقود، والمداخل، والعلاقات، والرسائل المصاغة بعناية. يمكنه أن يقول لصانع القرار الأمريكي: “نحن شركاؤكم في مكافحة الإرهاب”، بينما الحقيقة أن ذات المدرسة السياسية هي التي صنعت بيئة التطرف. ويمكنه أن يقول: “نحن ضد الفوضى”، بينما هم أصل الفوضى. ويمكنه أن يقول: “نحن نحمي الدولة من المليشيا”، بينما هم الذين فككوا الدولة وحولوها إلى جهاز حزبي أمني مريض. ويمكنه أن يقول: “ادعموا الجيش”، بينما المقصود عمليًا حماية شبكة التمكين الكيزاني المتخفية داخل مؤسسات الحرب.هذه ليست سابقة معزولة. في 2017 استأجرت حكومة البشير شركة Squire Patton Boggs مقابل 40 ألف دولار شهريًا للمساعدة في منع عودة العقوبات وتحسين صورتها الاستثمارية، بينما كان عمر البشير مطلوبًا لدى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما أثار غضب منظمات حقوقية وصحفيين أمريكيين. � معنى ذلك أن مدرسة الإنقاذ تعرف واشنطن جيدًا: عندما تضيق عليها العدالة، تذهب إلى شارع K Street؛ وعندما يطاردها سجل الجرائم، تستأجر لغة ناعمة وبدلات أنيقة لتغسل الدم بالحبر القانوني. قيادات في الجيش السوداني تنتفض ضد الكيزان.. وهروب علي كرتي خارج السودان حيث ذكر مركز رؤى الإعلامي، نقلا عن مصادر، أن قيادات كبيرة في الجيش السوداني، قررت وضع حد لهيمنة فلول نظام البشير على المؤسسة العسكرية، وذلك في ظل ما وصفته المصادر بتوالي الانتكاسات التي تواجه القوات المسلحة في عدد من جبهات القتال.وأفادت المصادر، بأن الجيش يعتزم تنفيذ حملة واسعة لاعتقال رموز من التيار الإسلامي المعروف بـ“الكيزان”، والذين تتهمهم دوائر داخل المؤسسة العسكرية بالعمل على إذكاء الصراع واستمرار الحرب.وكشفت المصادر عن رصد تحركات وهروب لعدد من القيادات الإسلامية النافذة، خشية توقيفهم، وعلى رأسهم زعيم الحركة الإسلامية علي كرتي، الذي تصفه المصادر بأنه المتهم الأول في إشعال الحرب الحالية.وتشير المعلومات إلى مغادرته البلاد بعد تلقيه تهديدات بالقبض عليه من قيادات داخل الجيش، على خلفية خلافات داخلية مرتبطة بأحداث منطقة كرري.المؤسف أن كل دولار يصرف في هذا المسار هو طعنة في جسد المواطن السوداني. السودان اليوم لا يحتاج إلى لوبي يحمي الكيزان من العقاب، بل يحتاج إلى لوبي وطني حر يطالب بوقف الحرب، وفتح الممرات الإنسانية، ومحاسبة كل مجرمي الحرب، ومنع عودة الإسلاميين والجنجويد إلى السلطة، ودعم تحول مدني ديمقراطي حقيقي. السودان لا يحتاج إلى من يبيع الوهم للإدارة الأمريكية، بل إلى من يقول الحقيقة: لا استقرار في السودان مع إعادة تدوير القتلة، ولا سلام مع الإفلات من العقاب، ولا شراكة محترمة مع واجهات سياسية تربت على الكذب والتقية والتمكين.
واشنطن نفسها يجب أن تنتبه. ليس كل من دخل مكاتب الكونغرس باسم “السودان” يمثل السودان. قد يمثل سفارة، أو سلطة أمر واقع، أو شبكة مصالح، أو بقايا نظام. السودان الحقيقي هو ملايين النازحين واللاجئين، أمهات الشهداء، الشباب الذين أسقطوا الدكتاتورية، والمهنيون الذين يريدون دولة قانون لا دولة مليشيات ولا دولة كيزان.
لذلك فإن واجب السودانيين الأمريكيين اليوم عاجل وواضح: مراقبة كل عقود الضغط المسجلة باسم السودان، فضح مموليها وأهدافها، مخاطبة أعضاء الكونغرس، وشرح أن حماية الكيزان ليست حماية للدولة السودانية بل إطالة لعمر الحرب. يجب أن ينشأ لوبي شعبي مضاد، لا يملك ملايين السفارات، لكنه يملك الحقيقة والذاكرة والضحايا بالأفق بوادر تجدد القتال في الخرطوم إذ كشفت صحيفة “السودانية نيوز” عن احتدام الخلافات داخل الجيش، وتحديداً في جناح الفريق ياسر العطا ، على خلفية تباين حاد في المواقف قوات القبة ” الذي رفض مقترحات هيئة الأركان القاضية بتسريح قواته أو دمجها ضمن القوات البرية التابعة للجيش. ووفقاً للصحيفة، أبدى النور القبة رفضاً صريحاً وقاطعاً لأي ترتيبات تستهدف تفكيك قواته أو استيعابها داخل المؤسسة العسكرية، متمسكاً باستمرارها كقوة مستقلة تعمل وفق إطار تنظيمي خاص. ونقل القبة هذا الموقف إلى القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مطالباً بالاعتراف بقواته كقوة مساندة قائمة بذاتها، على غرار تشكيلات أخرى مثل “درع السودان”، و”كتيبة البراء بن مالك”، وبعض القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة وفي سياق متصل، أشارت مصادر إلى أن الفريق البرهان وجه هيئة الأركان بتأجيل مطالب دمج أو تسريح “قوات القبة” إلى حين إتمام ترتيبات أمنية شاملة تشمل جميع القوات المساندة، لا سيما تلك التي رفضت الاندماج مسبقاً. ويرى مراقبون أن هذا الخلاف يعكس حالة من التكتل لقوات متنوعة ومتباينة حول العاصمة الخرطوم، مما يهدد الاستقرار الأمني وينذر بعودة القتال إلى المدينة، خاصة في ظل رفض تشكيلات من “القوات المشتركة” الخروج من الخرطوم أو الخضوع لغير تعليمات قياداتها الخاصة.
الخلاصة:
من يدفع أموال السودان الجريح للوبيات واشنطن كي يشتري حماية سياسية لبقايا الإنقاذ، إنما يمارس جريمة أخلاقية جديدة فوق جرائم الحرب والفساد. فالسودان لا يُنقذ من البيت الأبيض عبر السماسرة، بل يُنقذ بإرادة شعبه، وبمحاسبة قاتليه، وبقطع الطريق على كل من يحاول أن يلبس جلباب الدولة وهو في الحقيقة كوز هارب من العدالة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.