المقال الخامس من سلسلة: حماية السيادة الوطنية… من صمت الحكومات إلى استرداد الحقوق
أ. آدم راشد
الحق في الحقيقة… لماذا يبدأ العدل بكشف الوقائع؟
«حين تُحجب الحقيقة، لا تصبح العدالة هي الضحية الوحيدة، بل تُصاب الدولة نفسها في جوهر شرعيتها، لأن سيادة القانون لا تقوم على احتكار القوة، وإنما على احترام الحقيقة».
في تاريخ الأمم، ليست جميع المآسي متشابهة؛ فبعضها ينتهي بانتهاء إطلاق النار، بينما تبقى مآسٍ أخرى مفتوحة لعقود طويلة، لا لأن الدماء لم تجف، بل لأن الحقيقة لم تُكشف. وقد أثبتت تجارب الشعوب الخارجة من الحروب والنزاعات أن العدالة لا تبدأ بإصدار الأحكام، ولا بإلقاء الخطب، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما تبدأ بخطوة أكثر تواضعاً، وأكثر صعوبة في آن واحد:
معرفة الحقيقة.
ولذلك لم يعد «الحق في الحقيقة» مفهوماً أخلاقياً أو سياسياً فحسب، بل أصبح اليوم أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأحد المرتكزات الأساسية للعدالة الانتقالية، باعتباره حقاً أصيلاً للضحايا وأسرهم، وحقاً للمجتمع بأسره في أن يعرف ماذا حدث، وكيف حدث، ومن كان مسؤولاً عنه، وما هي الإجراءات التي اتُّخذت لمنع تكراره.
وفي هذا السياق، تكتسب حادثة الهجوم على مواقع التعدين الأهلي في أقصى شمال السودان، خلال يومي 16 و17 يونيو 2026، أهمية قانونية تتجاوز حدود الواقعة نفسها. فالقضية لم تعد تقتصر على حجم الخسائر البشرية، أو طبيعة الهجوم، أو هوية مرتكبيه، وإنما امتدت إلى سؤال أكثر عمقاً:
هل يملك المجتمع الحق في معرفة الحقيقة كاملة؟ وهل تلتزم الدولة قانوناً بكشفها؟
لقد أفرزت هذه الحادثة، منذ ساعاتها الأولى، روايات متعددة، وتقديرات متباينة، وصمتاً رسمياً أثار تساؤلات واسعة داخل السودان وخارجه. ومع اتساع دائرة الغموض، لم يعد الخلاف يدور حول التفاصيل فقط، بل أصبح يدور حول أصل الوقائع نفسها. وهنا يظهر الخطر الحقيقي؛ لأن غياب الحقيقة لا يخلق فراغاً، وإنما يملؤه التضليل، والإشاعات، والاستقطاب، والروايات المتعارضة، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وعلى فرص تحقيق العدالة.
ومن المنظور القانوني، لا يجوز أن تتحول الحقيقة إلى امتياز تمنحه السلطة متى شاءت وتحجبه متى شاءت، لأن القانون الدولي الحديث ينظر إليها بوصفها حقاً مستقلاً. وقد تطور هذا المفهوم عبر اجتهادات القضاء الدولي، وأعمال الأمم المتحدة، وتقارير المقررين الخاصين، وتجارب العدالة الانتقالية في دول عديدة، حتى أصبح من المسلّم به أن لأسر الضحايا، وللناجين، وللمجتمع، حقاً مشروعاً في معرفة حقيقة الانتهاكات الجسيمة، وهو حق لا يسقط بالتقادم، ولا ينتقص منه تغير الحكومات أو تبدل الظروف السياسية.
ولا يقتصر هذا الحق على كشف أسماء المسؤولين، بل يشمل أيضاً معرفة ملابسات الحادث، وتسلسل الوقائع، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، وعدد الضحايا الحقيقي، وأماكن المفقودين، والإجراءات التي اتخذتها السلطات منذ اللحظة الأولى، والنتائج التي انتهت إليها التحقيقات. فالحقيقة ليست خبراً صحفياً، وإنما سجل قانوني وتاريخي يحفظ حقوق الضحايا، ويمنع تزوير الذاكرة الوطنية.
ومن هنا، فإن أول واجبات الدولة عند وقوع حادث بهذه الخطورة ليس الدفاع عن رواية بعينها، ولا الانشغال بإدارة الجدل السياسي، وإنما إدارة الحقيقة وفق مقتضيات القانون. ويبدأ ذلك بالإقرار بوقوع الحادث، وتأمين مسرحه، وحماية الأدلة من العبث، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، وإبلاغ الرأي العام بما يستجد من معلومات بصورة مهنية وشفافة، مع مراعاة مقتضيات سرية التحقيق، دون أن تتحول السرية إلى ستار دائم يحجب الحقيقة.
إن التحقيق المستقل لا يمثل ترفاً إدارياً، ولا استجابة لضغوط إعلامية، بل هو التزام قانوني وأخلاقي يهدف إلى صيانة حقوق الضحايا، وحماية الدولة نفسها من تضارب الروايات وفقدان المصداقية. فكلما تأخر التحقيق، أو افتقد الاستقلالية، اتسعت مساحة الشك، وازدادت احتمالات ضياع الأدلة، وتعقدت فرص الوصول إلى الحقيقة، ولنا عودة إلى هذه النقطة في الجزء الثاني من هذا المقال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.