بعد أكثر من عامين من القتال والدمار والنزوح، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا يوجد منتصر في الحرب السودانية، ولا يلوح في الأفق نصر حاسم لأي طرف من أطراف الصراع. وحده المواطن السوداني يدفع الثمن كل يوم، ويخرج من هذه الحرب أكثر فقراً وأقل أمناً وأكثر بعداً عن الحياة التي كان يحلم بها.
عندما اندلعت الحرب، رُفعت الشعارات الكبرى وتحدث الجميع عن الحسم والانتصار واستعادة الدولة وحماية الوطن. لكن ما الذي تحقق على أرض الواقع؟ مدن مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد يترنح تحت وطأة الانهيار، وخدمات أساسية تكاد تختفي في مناطق واسعة من البلاد. أما المواطن الذي لم يكن طرفاً في الصراع، فقد وجد نفسه محاصراً بين نيران الحرب وأعباء المعيشة القاسية وانعدام الأفق.
في الخرطوم ومدني والفاشر والأبيض ومناطق أخرى، لم يعد السؤال عن نتائج المعارك بقدر ما أصبح عن كيفية الحصول على الطعام والماء والدواء. آلاف الأسر فقدت مصادر دخلها، وتوقفت أعمال ومشروعات كانت تمثل شريان حياة لملايين السودانيين. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، ترتفع الأسعار وتتراجع قيمة العملة وتتسع دائرة الفقر، فيما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بصورة غير مسبوقة.
ولم تتوقف الخسائر عند الجانب الاقتصادي. فقد تعرض القطاع الصحي لضربات موجعة، وتضررت المستشفيات والمراكز العلاجية، بينما انتشرت الأمراض والأوبئة في ظل ضعف الخدمات الصحية. كما حُرم ملايين الأطفال من التعليم المنتظم، وأصبح مستقبل جيل كامل رهينة لصراع لا يبدو أن له نهاية قريبة.
الأكثر إيلاماً أن الأطراف المتحاربة ما تزال تتحدث بلغة المكاسب العسكرية، في حين أن الواقع يؤكد أن السودان بأكمله يخسر. فكل منطقة تتعرض للدمار تحتاج سنوات طويلة لإعادة إعمارها، وكل أسرة تفقد معيلها أو مصدر رزقها تحمل جرحاً يصعب مداواته. أما النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الحرب والاستقطاب والكراهية، فسيحتاج إلى جهود مضنية لاستعادته وترميمه.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحروب الطويلة لا تترك وراءها منتصرين حقيقيين، بل تترك مجتمعات منهكة واقتصادات مدمرة وأجيالاً تحمل آثار الصدمات لسنوات طويلة. والسودان اليوم ليس استثناءً من هذه القاعدة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية والإنسانية، وتراجعت فرص التعافي والاستقرار.
إن الحديث عن الانتصار يفقد معناه عندما يصبح المواطن عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، وعندما تتحول المدارس إلى مبانٍ مهجورة، والمستشفيات إلى مرافق عاجزة عن أداء دورها، والأسواق إلى أماكن يطغى عليها الركود والخوف من المستقبل. فما قيمة أي مكسب سياسي أو عسكري إذا كان الوطن نفسه يدفع الثمن؟
اليوم، يحتاج السودان إلى إرادة تضع حياة الناس فوق الحسابات العسكرية، وتمنح الأولوية لوقف نزيف الدم واستعادة مسار السلام. فالمواطن السوداني لم يعد يحتمل المزيد من الخسائر، ولم يعد يعنيه من يرفع راية النصر بقدر ما يعنيه أن يجد أمناً في بيته، ودواءً لمريضه، ومدرسة لطفله، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
وفي نهاية المطاف، قد تختلف الروايات حول مجريات الحرب، لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن السودان خسر الكثير، وأن المواطن السوداني كان وما يزال الضحية الأولى لهذه المأساة. لذلك فإن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر ساحات القتال، بل عبر السلام الذي وحده قادر على إنقاذ ما تبقى من وطن أنهكته الحرب وأرهقته الانقسامات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.