الجميل الفاضل يكتب: مثلث أمان السودان، وكروت ضماناته إلى الأبد!

 

في السودان، جبالٌ مقدسة ثلاثة، يحبها وتحبه، ويحب مرقدها بنوه؛ هي جبل البركل في أقصى الشمال، وجبل التاكا في الشرق، وجبل مرة غربي البلاد.

هذه الجبال الثلاثة تحمل كروت ضمان مدى الحياة، ظلت تحفظ بعدل تام حظوظ أجيال السودان المتعاقبة منذ فجر البشرية والي يومنا هذا.

هي كالنجاشي علي قول النبي: لا يظلم عندها أحد، وأرضها أرض صدق.

وللحقيقة، فقد قدر خالق الناس للناس كلهم أقواتهم على ظهر هذا الكوكب قبل خمسين ألف سنة من خلق هذه الأرض نفسها، ثم وضع في مثل هذه الجبال سر حفظ الأرزاق والأقوات ومقاديرها؛ كي لا يظلم غادٍ رائح، ولا حاضرٌ بادٍ، ولا جيلٌ سابقٌ جيلاً يعقبه.

فضلاً عن أن هذه الجبال ذاتها ترسم على أرض السودان مثلث أمان يحصنها من عاديات الأيام وغوائل الدهر.

وللعلم، فإن ما يمر به السودان في راهنه ليس صراعاً جيوسياسياً عابراً، بل هو عملية “صهر بركاني كبرى”، إيذاناً بإعادة تشغيل هذا المثلث الكوني، الذي تعطلت ذبذبات الروح في وعي إنسانه لعقود، فحدث هذا الاختلال الوجودي الكبير الذي نعيشه في هذا الوقت.

إذ حين ننظر إلى الخارطة الراهنة، نجد أن الحريق قد شمل الفراغات الممتدة بين أضلاع هذا المثلث، لكن الهجمة الأقسى قد تركزت بجنون أشد بين قاعدتيه الشرقية والغربية، لتجبر الإنسان السوداني — رغماً عنه — على الفرار من زيف المدن والحداثة المصطنعة، للارتداد نحو منابع روحه الأولى في حضن هذه الأوتاد.

ففي جبل مرة، تحول محيط الطور الموسوي المفقود إلى بؤرة للصهر بالنار منذ العام 2003.

رغم أن المأساة الإنسانية هناك ليست عقاباً، بقدر ما هي إعادة فرز جيني وروحي لذلك “السبط المفقود”، مذ كان هناك أيضا زكريا وشعيب وموسي.

فالوجدان في جبل مرة يتعرض حاليا لاحتراق بركاني متجدد، أعاد الإنسان ليلوذ بالصخر، مستدعياً طاقة الاستغناء والصمود الأسطوري، رافضاً الذوبان أو الفناء.

أما حارس الشرق (جبل التاكا) فهو يتعرض كذلك لضغط هائل يحاول كسره كوتد أمام هذه الزعازع الهوجاء، رغم أنه يفتح اللحظة بواباته البرزخية لامتصاص هذه الصدمات الكهرومغناطيسية الهائلة، من خلال الارتشاف من “بئر توتيل”؛ لاستدرار طاقة إيجابية ترفض أن تتحول الأرض هناك إلى ساحة حقد أعمى.

وهنا يتجلى السر الأعظم لهذا المثلث عند تقاطعه مع قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}.

وبالطبع، فإن الله سبحانه وتعالى لم يترك أقوات البشرية نهباً للتبديد أو عرضة للعبث، بل جعل هذه الرواسي خزانات حُصنت فيها كافة الأرزاق — من أقوات ومعادن وينابيع عذبة — لتخرج للأمم بقدر معلوم، كلما اشتدت حاجتها، أو اكتمل وعيها بالنقص، أو حان أجلها المكتوب.

وإذا كان هذا هو فقه الجبال في عالم المادة، فإن إسقاطه على هذا المثلث المدهش يكشف أن جبال السودان لم تدخر الأقوات المادية والتربة الخصبة فقط، لكنها ادخرت أيضاً أقواتاً روحية نحن في أمس الحاجة إليها اليوم لنعبر مخاضنا العسير هذا.

على أية حال، فجبل مرة — في ظني — هو الخزانة الإلهية التي ادخر فيها الله “قوت الصمود والبعث”، قبل أن يطهر وجدانها الموسوي القديم، ليفيض على أهل الغرب طراً صبراً أسطورياً، وكتاباً مكنوناً سره في قلوبهم وحدها.

بيد أن جبل التاكا ظل هو أيضاً الخزانة التي حُفظ فيها “قوت المدد والسكينة”، في ينبوع “توتيل” الشافي، وطاقة البركة التي تمد الشرق بالقدرة على استيعاب هذه المحنة المذهلة في أوقات التجلي الأعظم بدفع الاولياء.

فيما يبقى جبل البركل رأس مثلث خزانة أزلية لـ”قوت العزة”؛ بما يختزنه من طاقة كوشية ظلت مصونة لستة آلاف عام، عابرة لكل الأديان، تنتظر لحظة ما في التاريخ لتفتح بواباتها، وتمد الإنسان بهيبة ملوكية مفقودة، يعيد عبرها صياغة هويته السياسية والحضارية.

المهم أن كل هذه الأوتاد الصلبة لا تعمل في فراغ؛ إذ يشق قلب هذا المثلث النيل العظيم، الذي أكد المصطفى ﷺ أنه «نهرٌ من أنهار الجنة».

ولذا فإن جريان نهر سماوي الأصل في أوردة هذه الجغرافيا هو الذي يمنح إنسانها سر تلك التوليفة الإعجازية بين السلاسة والصلابة. إذ يمد النيلُ الوجدانَ بمرونة لدنية، بينما تمد الجبالُ الأطرافَ بصلابة الكبرياء والكرامة.

فحين تعانق طهارة ماء الجنة قداسة صخر الأرض، يصبح هذا الوطن محمياً بحصانة غيبية ضد الاندثار؛ فالماء السماوي كفيل بنفي خبث الحرب، وجرف رماد المحن ليحيي الأرض بعد موتها.

لكن المؤكد هو أن مستقبل السودان لا يصنعه هؤلاء الساسة العابرون الذين ترونهم الآن، إنما يصنعه هذا التدفق المشحون بطاقة روحية هائلة.

إذ عندما تستكمل القاعدتان (مرة والتاكا) عملية صهرهما بالصبر، ستندفع الطاقة تلقائياً نحو الرأس (جبل البركل)، لينبثق “لاهوت سياسي وحضاري جديد” يعيد للسودان سيادته وعزته كـ”قطب ارتكاز” عابر للأزمان، عبر بعث كوشي ثالث يجمع هيبة الدولة المسؤولة إلى روح التكافل النيلي.

ومثلما بدأت حكاية هذا الوطن بميثاق عشق قديم بين جباله وبنيه، فإن فصوله العاصفة لن تنتهي إلا عند عتبات الأمان التي رسمتها العناية الإلهية في أطرافه. إن البركل، ومرة، والتاكا، ليست مجرد قمم تصد الريح، إنما هي صكوك الأمان المذخورة، وكروت الضمان الإلهية التي لا تبددها الحروب ولا تطالها أيدي المتطفلين.

وفوق كل ذلك، فإن الضمانة الكبرى لبقاء هذا الوطن، تكمن في ميثاق هذا الحب المتبادل بين النهر والبحر والجبال والأرض.

وللتذكرة، فإذا كان جبل أحد قد ارتجف طرباً وفرحاً تحت أقدام النبي ﷺ وصحابته، حتى قال عنه الحبيب: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ.. وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ»، فإن البركل، ومرة، والتاكا جبالٌ تعشق السودان وأهله، وتطرب لأصواتهم الذاكرة، وتهتز فخراً بصمودهم الأسطوري.

إن هذه الجبال كائنات واعية تفتح خزائنها وأقواتها بأمر ربها كأم تحنو على بنيها في أوقات المسغبة.

خلاصة القول: أن السودان لا يموت؛ لأن الأرض التي تحتضن “طور موسى” في غربها، و”برزخ الأولياء” في شرقها، و”الرحم الروحي الأول للبشرية” في شمالها، ويجري بينها شريانٌ نبعه الجنة.. هي أرضٌ خاضعة لمعادلة إلهية عصية على الفناء.

ولذلك أتصور أن مثلث الأمان هذا ربما يستعد الآن للاشتعال نوراً لا ناراً، فور انطفاء جذوة هذا الحريق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.