لم يكن شرق السودان في يوم من الأيام أرضا تستجيب للاستبداد أو تنحني أمام السلطة المطلقة. فمن هذه المنطقة خرجت حركات مقاومة دافعت عن الكرامة والحقوق ودفعت ثمن مواقفها عبر عقود طويلة. لذلك يبدو مؤلما أن تتحول بعض القيادات القبلية اليوم إلى أدوات في مشروع سياسي يسعى إلى منح الشرعية لحكم عسكري يواجه أزمة قبول داخلي وخارجي.
محمد الأمين ترك لم يعد يتحرك باعتباره ممثلًا لقضايا شرق السودان، فقد تجاوز منذ سنوات حدود المطالب الإقليمية إلى ممارسة دور سياسي يخدم مشروعا أوسع. ومع كل محطة مفصلية في الأزمة السودانية ظهر اسمه في قلب الأحداث التي أضعفت فرص الانتقال المدني ورسخت نفوذ القوى الرافضة للتغيير.
إغلاق الطريق المؤدي إلى ميناء بورتسودان عام 2021 لم يكن مجرد احتجاج على أوضاع الشرق. كانت نتائجه كارثية على الاقتصاد السوداني، إذ تعطلت حركة التجارة الخارجية وتضررت الصادرات والواردات واضطرت شركات إلى البحث عن موانئ بديلة خارج السودان وهو ما ألحق خسائر مباشرة بالدولة وأضعف مكانة الموانئ السودانية في الإقليم. وفي الوقت نفسه تعرضت حكومة عبد الله حمدوك لضغط سياسي هائل أسهم في تعميق أزمتها، قبل أن تنتهي الفترة الانتقالية بانقلاب أكتوبر.
اليوم يتكرر المشهد بصيغة مختلفة. ترك يجوب الولايات ويلتقي بزعماء القبائل والإدارات الأهلية داعيا إلى تفويض الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومنحه شرعية شعبية للحكم العسكري. وتُقدَّم هذه التحركات على أنها تعبير عن إرادة المواطنين، بينما تبدو في حقيقتها محاولة لصناعة مشهد سياسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا باعتباره تفويضًا شعبيا.
المشكلة لا تكمن في حق القبائل في التعبير عن آرائها، لكن في تحويل القبيلة إلى أداة لإنتاج الشرعية السياسية. فالقبيلة ليست حزبا وليست مؤسسة دستورية تمنح الحكام تفويضا للبقاء في السلطة. وحين تُستغل الروابط الاجتماعية في معارك الحكم يصبح المجتمع نفسه جزءا من الصراع السياسي وتفقد الإدارة الأهلية دورها التاريخي في حفظ السلم الاجتماعي.
الأخطر أن هذا الحراك يتقاطع بصورة واضحة مع مصالح الحركة الإسلامية السودانية التي لم تتخل منذ سقوط نظام الإنقاذ عن مشروع العودة إلى السلطة. تغيرت الوسائل وتبدلت الشعارات لكن الهدف بقي ثابتا. فبعد أن أصبحت العودة عبر صناديق الاقتراع بعيدة المنال، اتجهت الجهود إلى بناء شرعية بديلة تقوم على التحالف بين المؤسسة العسكرية وبعض القيادات القبلية، مع تقديم ذلك للعالم بوصفه خيارا شعبيًا.
بهذه الطريقة يؤدي ترك وظيفة سياسية تتجاوز شخصه. فهو يوفر الغطاء الاجتماعي لمشروع يسعى إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة في ثوب جديد. وما يبدو نشاطا قبليا في ظاهره يحمل في جوهره أبعادا سياسية تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة السودانية.
لقد تحول المكون القبلي، على يد ترك، من رصيد اجتماعي يحفظ التماسك الأهلي إلى ورقة تفاوض ومصدر نفوذ سياسي. وأصبح الحشد القبلي وسيلة لإضفاء الشرعية على خيارات لا تنبع من توافق وطني، وإنما من حسابات سلطة تبحث عن سند داخلي بعد أن فقدت كثيرا من مقومات الشرعية.
شرق السودان أكبر من أن يُختزل في شخص وأعرق من أن يُستخدم منصة لتسويق أي مشروع سلطوي. تاريخه مليء بالمواقف الوطنية التي واجهت التهميش والظلم ولم يكن يوما حليفا طبيعيا للديكتاتوريات أو جسرًا تعبر عليه مشاريع الهيمنة السياسية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعبر هذه الجولات فعلًا عن إرادة أهل الشرق، أم أنها جزء من عملية منظمة لإعادة الحركة الإسلامية إلى مركز القرار عبر بوابة القبيلة والحكم العسكري؟
الإجابة لن تحدد مستقبل شرق السودان وحده ، الواقع يقول انها سترسم ملامح الدولة السودانية في السنوات القادمة، بين مشروع يقوم على المواطنة والمؤسسات، ومشروع آخر يعيد تدوير السلطة بالأدوات نفسها التي قادت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.