لم يعد السودان اليوم ذلك البلد الذي يفتش في خرائط الجغرافيا عن هوية، بل صار يبحث في ركام البيوت المحطمة عن بقايا إنسان، وعن وطن كان يسمى مجازاً “سلة غذاء العالم”، فأحاله صراع النخب والبنادق إلى سلة للموت والنزوح. إن الحصاد المر الذي تجنيه البلاد بعد سنوات من القتال العبثي ليس مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل هو تآكلٌ في نسيج الدولة، واندثارٌ لآمال جيلٍ كامل، وتشييعٌ لجنازة الاستقرار الوطني على أعتاب مطامع لا تعرف الشبع.
الدبة.. حين تصبح الملاذ “مسرحاً للقلق”
تأتي أحداث مدينة “الدبة” في الولاية الشمالية لتكون الشاهد الحي والأكثر وجعاً على تحول جغرافيا البلاد من مساحات للحياة إلى رقعة شطرنج عسكرية. فالدبة، التي كانت تمثل بالنسبة للمواطن السوداني المنهك في الخرطوم ودارفور والجزيرة، رمزاً للأمان النسبي وملجأً للنازحين الذين فروا من جحيم النيران، وجدت نفسها فجأة في قلب العاصفة.
إن استهداف أو تهديد مناطق مثل الدبة ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو رسالة سياسية قاتمة ومفادها: “لا مكان آمن في هذا الوطن”. عندما تنتقل نيران الصراع إلى الملاذات الأخيرة، فإن المواطن السوداني يدرك أن ما يحاك ليس مجرد معركة على السلطة، بل هو استئصال ممنهج لما تبقى من سكينة في البلاد. الحزن الذي يلف أهالي الدبة اليوم هو حزنٌ مركب؛ حزنٌ على فقدان الأمن، وحزنٌ أكبر على ضياع الدولة التي كان يُفترض بها حماية حدودها ومواطنيها لا ترويعهم.
المواطن ضحية في “أرشيف النسيان”:
في ميزان الحرب يسقط المواطن السوداني كقيمة هامشية. هو الذي دفع ثمن الاستقطاب السياسي، وهو الذي دفع ثمن غياب الرؤية الوطنية، وهو اليوم يدفع ثمن استمرار صراع لا يخدم في جوهره إلا مراكز القوى التي تقتات على الدم.
لقد تحول المواطن من “صاحب السيادة” إلى “رقم في سجلات النزوح”، ومن “مشروع طموح” إلى “كائن يقتات على الصبر والانتظار”. إن الحزن الذي يغلف الشارع السوداني اليوم هو حزنٌ يتجاوز فقدان الممتلكات؛ إنه حزنٌ على “مستقبلٍ مُصادر”. فالمواطن السوداني اليوم لا يبكي بيته الذي دُمر فحسب، بل يبكي العقد الاجتماعي الذي تمزق، والثقة التي تبخرت بين المكونات الاجتماعية التي كانت تعيش في تآلفٍ طوال عقود.
الحصاد: وطنٌ يتمزق على مائدة الخلاف
إن التحليل حسب وجهة نظري لما يجري يشي بأننا لا نواجه صراعاً عسكرياً تقليدياً، بل نحن أمام “تفكك بنيوي” للدولة السودانية. الصراع الدائر لا يملك أفقاً سياسياً، ولا يحمل مشروعاً وطنياً، بل هو تكرار لسيناريوهات “دولة الفشل” حيث تُهدر الموارد، وتُستنزف الطاقات، ويُغيب العقل السياسي لصالح البندقية.
إن ما يحدث في الدبة اليوم هو انعكاس لغياب الإرادة الوطنية لدى أطراف الصراع، وهي دلالة قاطعة على أن المواطن أصبح رهينة في يد من لا يرى في السودان سوى غنيمةٍ أو أرضٍ للقتال. هذا الحصاد المر؛ من دماء سالت، وبيوت خربت، ونزوحٍ شمل الملايين، سيظل ندبة في وجه التاريخ، ووصمة على جبين كل من ساهم في إطفاء شمعة الاستقرار في هذا البلد.
النداء الأخير قبل الغروب:
لا يمكن وصف المشهد إلا بأنه “مأساةٌ بلا ضفاف”. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من التحليلات العسكرية بقدر ما يحتاج إلى صرخةٍ ضميرية تُوقف هذا النزيف. إن بقاء الوطن مرهونٌ بقدرة السودانيين، بكافة أطيافهم، على إدراك أن انتصار طرفٍ على آخر في ظل ركام الدولة هو “هزيمة كبرى” للجميع.
إن دموع أمهات السودان ، وجوع النازحين في المعسكرات، وصرخات الشباب الذين ضاعت أحلامهم، هي الوقود الحقيقي للمحاسبة التاريخية. فهل يفيق الفرقاء قبل أن يذوي الوطن تماماً في ذاكرة النسيان؟ أم أننا نكتب السطور الأخيرة في كتاب “جمهورية الأحزان”؟
تلك كانت قراءة في مشهدٍ لا يراه سوى من أوجعه الوطن،.
ها هو السودان اليوم، بلدٌ يودعُ أبناءه في مقابر جماعية، ويودعُ أحلامه في معسكرات النزوح، حتى باتت “الدبة” التي كانت ملاذاً، محطةً أخرى للوداع. لقد غادرنا الزمن الذي كان فيه الوطنُ بيتاً، لنصحو على واقعٍ صار فيه الوطنُ مجردَ ذكرى موجعة، نختبئ خلفها كلما داهمنا الموت. وفي النهاية لن يذكر التاريخ أننا انتصرنا أو انهزمنا، بل سيكتبُ بكل أسى: “هنا كان بلدٌ، وكان فيه شعبٌ طيب، لكنه ضاع حين انشغل الأخوةُ عن وطنهم بتبادلِ الطعنات في خاصرةِ الروح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.