في الحروب، لا تكون الرصاصة وحدها أداة للقتل، فالكلمة أيضًا قد تتحول إلى سلاح أشد فتكًا عندما تُستخدم لإثارة الكراهية وتقسيم المجتمعات على أساس العرق أو الجهة أو الانتماء. وما تشهده الساحة السودانية اليوم من تصاعد في الخطاب العنصري والتحريضي تجاه القوات المشتركة يبعث على القلق، ليس فقط لأنه يزيد من حالة الاستقطاب، بل لأنه يهدد ما تبقى من تماسك اجتماعي في المناطق التي ما تزال بعيدة نسبيًا عن أتون المعارك.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا لهذه الحرب. ملايين النازحين، وآلاف الضحايا، ومدن تحولت إلى ساحات للدمار، واقتصاد يترنح تحت وطأة الصراع. وفي ظل هذه المأساة، يصبح من غير المقبول أن تُفتح جبهة جديدة عنوانها الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
إن أي خطاب يصنف المواطنين أو القوات أو المكونات الاجتماعية وفق انتماءاتها الإثنية أو الجغرافية، ويصورها باعتبارها “غريبة” أو “غير مرغوب فيها”، لا يخدم الأمن ولا الاستقرار، بل يزرع بذور فتنة قد يصعب احتواؤها لاحقًا. والتاريخ السوداني، كما تجارب دول أخرى، يبين أن الحروب تبدأ بالسلاح، لكنها قد تستمر لعقود بسبب خطاب الكراهية الذي يترك جراحًا عميقة في النسيج الاجتماعي.
المناطق التي لا تزال تنعم بقدر من الاستقرار تحتاج اليوم إلى خطاب يعزز التعايش، لا إلى دعوات تؤجج المخاوف وتدفع نحو الانقسام. فإثارة المواطنين ضد أي مكون، مدنيًا كان أو عسكريًا، على أساس الهوية أو الانتماء، قد تخلق احتقانًا اجتماعيًا يتجاوز حدود الخلاف السياسي أو العسكري.
ولا شك أن إدارة أي وجود عسكري داخل المدن يجب أن تتم وفق القانون، وبما يراعي أمن المدنيين وحقوقهم، وأن تكون محل نقاش وطني مسؤول. لكن تحويل هذا النقاش إلى منصة للتعبئة العنصرية أو للتحريض ضد جماعات بعينها يحمل مخاطر جسيمة، لأنه ينقل الصراع من مستواه السياسي والعسكري إلى مستوى مجتمعي قد يصعب احتواؤه.
إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم، بل تشمل الإعلاميين والناشطين وقادة الرأي. فالكلمة التي تُنشر اليوم قد تتحول غدًا إلى مواجهة في الشارع، والمنشور الذي يحرض على الكراهية قد يكون شرارة لصدام لا يربح فيه أحد.
السودان بحاجة إلى خطاب يعيد بناء الثقة بين مكوناته، لا إلى خطابات تستثمر في الانقسام. وبحاجة إلى إعلام يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية، ويقدم الحقيقة دون تحريض أو شيطنة، ويُذكّر بأن الخلافات، مهما بلغت، لا ينبغي أن تتحول إلى عداء بين أبناء الوطن الواحد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو انتقال الحرب من ساحات القتال إلى داخل المجتمعات الآمنة. وعندما تصبح الهوية سببًا للشك، والانتماء الجغرافي مدعاةً للإقصاء، فإن الجميع سيكون خاسرًا.
يبقى الأمل في أن تنتصر لغة العقل على لغة الكراهية، وأن يدرك الجميع أن مستقبل السودان لن يُبنى بخطابات التحريض، وإنما بالحوار، وسيادة القانون، واحترام التنوع الذي ظل، عبر التاريخ، أحد أهم مصادر قوة هذا البلد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.