هذه واحدة من العلامات الكبرى لقيامة الدولة، وهو ما يكشف وجود سلطات موازية تعمل خارج القرار والقانون الرسمي، وأن الدولة لم تعد صاحبة القرار .
طيف أول:
ثم على حدّ حرفٍ
ضاقت بهم
تدفعهم إلى ظلام الظنون
خلايا النُّهى التي
سيّجت معاني الحقيقة!!
ومابين تضارب الصلاحيات والتنافس على النفوذ، ينشب صراع جديد في مناطق سيطرة الجيش بعيداً عن أرض المعركة، يكشف أزمة جديدة حول مَن يملك حق إصدار القرار. وهذا الصراع يكشف ضعف مركز القيادة الموحدة داخل هذا المعسكر ، بعد ما أصبح يضم الحركات المسلحة وكتائب البراء والإدارة الأهلية والسلطات المدنية، مايعني أن الجيش لم يعد مركز القرار الوحيد، وأن القرار بات يتجزأ بين نفوذه ونفوذ الحركات والكتائب.
هذا التعدد يكشف أن أزمة النفوذ الحالية ليست مجرد خلافات بين مجموعات، بل هي دليل على اهتزاز كامل للبنية الداخلية لهذا المعسكر، وتراجع قدرة الدولة على إدارة مناطقها، وتزايد التنافس بين القوى الحليفة، يهدد تماسك المعسكر في لحظة سياسية وعسكرية حساسة.
وهو ما يعزز احتمال انتقال الأزمة إلى مستوى أكبر فاستمرار هذه الخلافات قد يتحول إلى أزمة سياسية داخلية وصراع محتمل بين الحلفاء أنفسهم بغية إعادة توزيع النفوذ بالقوة.
فما بين الخلافات المتصاعدة بين والي الخرطوم وكتائب البراء، وبين القوة العسكرية التي تحاول فرض قراراتها بالسلاح بعيداً عن التسلسل العسكري الرسمي، يتلاشى عملياً وجود حكومة إدريس، ويبدو حضورها في المشهد معدوماً أمام تعدد مراكز النفوذ وتضارب السلطات.
واقتحام مجموعة مسلحة ملثمة لمحكمة بمحلية الدبة في الولاية الشمالية، وإطلاق سراح أحد المتهمين من أمام قاضي المحكمة، ثم مغادرتهم المنطقة على متن سيارات دفع رباعي على طريقة الأفلام السينمائية، يعني أن الدولة لم تعد قادرة على حماية نفسها ومؤسساتها القضائية، وأن القانون أصبح بلا قوة تنفيذية، وأن القضاء فقد حصانته وهيبته. وهذه واحدة من العلامات الكبرى لقيامة سلطة الدولة، التي تكشف وجود سلطات موازية تعمل خارج القرار الرسمي، فالدولة لم تعد صاحبة القرار الوحيد.
وهو مايسلط الضوء أيضاً على ضعف الأجهزة الأمنية أو تقييدها فوصول الشرطة بعد مغادرة المسلحين يؤكد ضعف القدرة الأمنية، أو وجود قيود تمنع الشرطة من مواجهة مجموعات مسلحة، أو أنها تخشى الاشتباك معها. وهذا يعكس انهيار منظومة الأمن التقليدية للسلطة العسكرية، وانتقال النفوذ من الدولة إلى المجموعات المسلحة.
فما تمّ ليس مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة مفادها: نحن نمتلك القرار على الأرض ولسنا خاضعين للقانون أو الدولة. وهذا يعني أن السلطات أصبحت تجلس الآن على مقعد المتفرج على الأحداث، وتفقد السيطرة داخل مناطقها، في الوقت الذي ينتظر المواطن منها أن تستعيد المناطق التي فقدت سيطرتها العسكرية عليها.
وهذا التفكك التلقائي يؤكد أن القوات العسكرية غير المنضبطة هي المستفيد الأول، لأنها تحاول فرض قراراتها بالقوة، وتتجاوز الشرطة والقضاء، وتخلق واقعاً جديداً على الأرض يبرهن أنها صاحبة النفوذ الحقيقي؛ فالانفلات يمنحها سلطة بلا مساءلة.
كما أن كل جهة ترى أن قانون الدولة يعيق مصالحها تحاول الاستفادة من هذه الفوضى فهذه البيئة الأمنية الهشة ستكون صالحة لتنامي شبكات الجريمة المنظمة التي ستزدهر في الفوضى، وتستغل ضعف الدولة لتوسيع نشاطها. فالانفلات الأمني بيئة مثالية لهذه الشبكات.
لكن هل يكون هذا الانفلات دائماً مجرد حوادث وسوء انضباط؟!
أحياناً يكون أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل السلطة أي إن السلطة العسكرية ربما تحاول استخدام الانفلات الأمني موضوعياً لإظهار أن الدولة تحتاج إلى “قبضة أقوى”، فيُخلق بذلك مبرر لعودة السلطة المركزية بوجه جديد. وهذا الخطاب يخدم أي قيادة تريد إعادة إنتاج حكمها، لأن هذا التحايل يضعف القوى المنافسة داخل معسكر الجيش، سيما تلك التي تنافس الجيش في النفوذ داخل مناطق سيطرته كالحركات والكتائب، ليعزز البرهان موقفه بحجة أن الجيش هو الضامن الوحيد للاستقرار في البلاد.
وبينما يخطط البرهان بأسلوب العاجز داخلياً، تضغط واشنطن عليه خارجياً فدخول العقوبات الأمريكية المتعلقة بالكيماوي في 20 يوليو حيّز التنفيذ سيكون له أثر مباشر على مشروع البرهان وطموحه لإعادة إنتاج سلطته بوجه جديد. لذلك سيحاول الجنرال استخدام الداخل تحت شعار مواجهة الاستهداف الدولي، لكن العقوبات ستضع القيادة العسكرية في خانة القيادات “عالية الخطورة”، وهذا ما قد يجعل أي مشروع سياسي جديد للبرهان غير قابل للتسويق ويحدّ من قدرته على تقديم نفسه كقائد مرحلة ما بعد الحرب.
طيف أخير:
#لا_للحرب
خاطبنا أمس إدارة فيسبوك بشكوى إغلاق صفحة أطياف نتيجة اختراق أمني، ووعدت الإدارة بإعادة نشاطها قريباً. فمنذ حديثنا عن الكيماوي تتعرض الصفحة للتهديد والبلاغات الي أن تم إغلاقها أمس
ولكن ما قيمة إسكات المنابر مع عجز السيطرة على الأصوات!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.