ثُمَّ نقطةٌ تحتَ الباءِ تبرق؟!
يعيشُ الإنسانُ في مأزقٍ معرفيٍّ ووجوديٍّ دائم، يتبدَّى في حالةِ “تراوحٍ” مستمرةٍ بين حدَّين يبتلعانِ وعيَهُ بالذاتِ والكون.
هما حدُّ الاستغراقِ في ماديةِ الأشياءِ الصارمة، وحدُّ التطلعِ إلى حقائقِ الغيبِ المطلقة.
هذا التراوحُ الأزليُّ هو الذي يجعلُ حركتَنا الوجوديةَ تبدو وكأنها مراوحةٌ في الزمان والمكان؛ فنحنُ إما أن نغرقَ في عيانيةِ اليوميِّ والسطحيِّ الماديِّ، فنتوهَّمَ “الانفصالَ” الكاملَ عن الغيبِ ونصيبَ ذواتِنا بالاغترابِ والقحطِ الروحيِّ، وإما أن نحلقَ في فضاءِ “الاتصالِ” المطلقِ متغافلين عن السننِ الأرضيةِ والواقعِ المعيش.
إنها رحلةُ البحثِ الدائبةِ للتوفيقِ بين أقدامٍ مغروسةٍ في طينِ الأرض، وأرواحٍ معلَّقةٍ بالسماء.
ولعلَّ السائلَ يسألُ يومًا عن ذلك السرِّ الذي يجعلُ قلوبَنا تحنُّ إلى النورِ رغم ثقلِ الجسد، وعن تلك الومضةِ التي تُضيءُ بصيرتَنا فجأةً لترى الجمالَ في أصلِ كلِّ شيء؛ وهنا ينكشفُ الستارُ عن العمقِ الأخيرِ لهذا الاشتباك.
وللحقيقةِ، ليس الوجودُ كيانًا أحاديَّ البُعد؛ فـ”وراءَ كلِّ ظاهرٍ باطنٌ” يمثِّلُ جذرَ المعنى ومحرِّكَ الروح، و”أمامَ كلِّ باطنٍ ظاهرٌ” يمثِّلُ حتميةَ التجلِّي التاريخيِّ والعيانيِّ للأفكار والنوايا.
هذا “الاشتباكُ” المستمرُّ هو المحرِّكُ السريُّ للتاريخِ والوجود، غيرَ أننا في زحمةِ “صخبِ السطحِ” وضجيجِ الماديةِ الكثيفةِ لا نكادُ نحسُّهُ أو نراهُ أو نسمعُهُ.
بين هذا الظاهرِ وباطنِهِ، يمتدُّ خيطٌ وهميٌّ رفيعٌ لا يُرى بالعينِ المجرَّدة؛ هو ليس مسافةً مكانيةً لكنه برزخٌ معرفيٌّ شفاف. ولأجلِ الدخولِ إلى “شبكةِ الغيبِ” —بوصفِها أصلَ الأشياءِ ومصدرَ المددِ والروابطِ الكونية— فإنَّ المرءَ بحاجةٍ إلى درجةٍ من “الاستبصارِ” تُخرِجُهُ من أسرِ أدواتِ القياسِ الحسِّيةِ العادية.
هذا الاستبصارُ ليس مجرَّدَ جهدٍ معرفيٍّ أو فلسفيٍّ واعٍ ومجرَّد، إنما هو سياحةٌ وجوديةٌ تقومُ على قاعدةِ الكسبِ البشريِّ المتمثِّلِ في قولهِ تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
فالجهادُ وتصفيةُ القلبِ هما “السببُ” وإعلانُ الجاهزيةِ، لتظلَّ الهدايةُ بعد ذلك “منحةً” ربانيةً، وإشراقًا روحيًّا يقذفهُ اللهُ في قلبِ من يشاء، ليفكَّ به شفرةَ هذا الوجودِ المتداخلِ والمعقَّد.
وبالتالي، إذا كان الغيبُ هو أصلُ الأشياءِ والمظهرُ تجلِّيًا له، فإنَّ القانونَ الحاكمَ الذي يُديرُ حركةَ الإنسانِ في هذا الكونِ يتلخَّصُ في أن “اللهَ لا ينظرُ إلى أجسادِنا وصورِنا، إنما ينظرُ إلى قلوبِنا… وقلوبِنا فقط”.
فالقلبُ هو “الغيبُ الإنسانيُّ” المقابلُ للغيبِ الإلهيِّ، وهو المحطةُ الداخليةُ التي يُقرأُ منها كلُّ فعلٍ ويستمدُّ منها قيمتَهُ.
وعليه، فإنَّ القرابينَ والأعمالَ الماديةَ —من دماءٍ ولحومٍ وأفعالٍ عيانية— لا تنالُ من اللهِ شيئًا بشكلِها المجرَّد، إنما ما ينالُهُ ويستحصدهُ تبارك وتعالى منها هو “تقوى القلوب” الكامنةُ وراءَها كدليلٍ عمليٍّ عليها.
ومن هنا نشأَ القانونُ الوجوديُّ الحاسم: “إنما الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرئٍ ما نوى.. لا أكثرَ ولا أقل”.
وفي هذا المضمار، تنقسمُ الوعاءاتُ الإنسانية؛ فتظلُّ القلوبُ المظلمةُ المثقلةُ بالأوزارِ أوكارًا للشرور، وتغدو القلوبُ المنيرةُ المفعمةُ بالثمارِ الصالحةِ مواطنَ للخيرِ والحقِّ والجمال.
إنَّ هذا القلبَ هو “بيتُ الربِّ” ومناطُ التعبدِ كلِّه؛ إذ لا يسعُ الحقَّ في الحقيقةِ سوى قلبِ عبدِهِ المؤمن.
ومن هنا، “فإنَّ من أبطأَ بهِ قلبُهُ في سباقِ القُربِ، لَنْ يُسرِعَ بهِ بدنُهُ إلى رضاءِ الرَّبِّ”.
فالإشارةُ الربانيةُ تتلقَّاها القلوبُ أولًا قبل أن تنفعلَ بها الجوارح.
والنيةُ الخالصةُ المتجرِّدةُ من الهوى والغرض، ما هي إلا “زاملةٌ” وفيةٌ لسيدِها، تقفزُ به فوقَ عوائقِ المادةِ وتنقلهُ إلى حيثُ أرادَ وانتوى، طالما كان صادقَ الطَّوِيَّة؛ فالأبدانُ على هذا الطريقِ ليست سوى “مطايا” تأتمرُ بأمرِ القلوبِ وتقادُ بها.
المهم، فحين نتوغَّلُ عميقًا وراء هذا الخيطِ الوهميِّ الرفيعِ الفاصلِ بين الظاهرِ وباطنِهِ، يتجلَّى لأهلِ الكشفِ واليقينِ السرُّ الأسمى الذي يربطُ هذه المنظومةَ الوجودية؛ إنها “الرقيقةُ المحمدية”.
هذه الرقيقةُ ليست مجرَّدَ مصطلحٍ فلسفيٍّ، إنما هي خيطُ الروحِ الممتدُّ من الحقيقةِ الكبرى إلى شغافِ قلوبِنا، والواسطةُ التي لولاها لظلَّتِ الأكوانُ في عتمةِ العدم ولما عرفتِ النفوسُ بارئَها.
إنَّ اللهَ —في رؤيةِ العارفين— جعل في كلِّ ذرَّةٍ من الوجود رقيقةً من أنوارِ المصطفى ﷺ، بها تقومُ الأشياءُ ومنها تستمدُّ المعنى.
فالعالمُ كلُّه في حقيقتِهِ “حروفٌ”، والرقيقةُ المحمديةُ هي “مِدادُها”؛ فلولا المِدادُ لما ظهرتِ الحروفُ، ولولا هذه الرقيقةُ لما تميَّزتِ الأعيانُ والظواهر.
هي مرآةُ الحقِّ الجليَّة؛ فلا يرى الحقُّ عبادَهُ إلا من خلالِها، ولا يرى العبادُ الحقَّ إلا فيها.
لتتأكَّدَ كينونتُها الوجوديةُ في شتى مراتبِ العرفان:
وفي عُمقِ الإشارةِ هي “النقطةُ التي تحتَ الباء”، السرُّ الذي فُصِّلَتْ منه كينونةُ الكائنات.
إن كلَّ رحمةٍ مفاجئةٍ تجدُها في قلبِك تجاهَ طفل، أو دمعةِ خشوعٍ في خلوة، أو طمأنينةٍ غيبيةٍ تسكنُك وسطَ العاصفة.. هي في الحقيقةِ نَفَسٌ وشعاعٌ ساكنٌ من تلك الرقيقةِ المحمديةِ الأزليةِ التي تناديك من داخلك لتخبرَك بأنك لستَ مجردَ جسدٍ فانٍ، إنما أنت سرٌّ من أسرارِ الله.
فالشعاعُ لا ينفصلُ عن أصلِهِ، لكنه ينتظرُ منك أن تفتحَ نوافذَ الروح بالصمتِ وسكونِ الجوارح، وبالتخلُّقِ الكريم، وبالحبِّ الذي يجذبُ رقيقتَك الصغرى إلى مغناطيسِ الحقيقةِ الكبرى.
ولكلِّ سالكٍ يسألُ عن موضعِ هذه الرقيقةِ في الإنسان، أقولُ: لا تبحثْ عنها في المسافاتِ بل ابحثْ عنها في المقامات؛ إذ أنها لا تُدرَكُ بحواسِّ الطين، بل تُبصرُ بعينِ اليقين.
عمومًا، بناءً على هذا السُّلَّمِ التراتبيِّ للأعمال، وبفعلِ سريانِ هذا المدادِ النوريِّ في باطنِ الأشياءِ، فإنَّ قيمةَ أيِّ عملٍ تُقاسُ حتمًا على نيةِ فاعلِهِ كمعيارٍ مطلق؛ فالإيمانُ —في جوهرِهِ— هو ما وقَرَ في القلبِ أولًا ثم صدَّقَهُ العملُ تاليًا.
ولهذا السببِ تحديدًا، ذهبَ العارفونَ إلى أن “النيةَ خيرٌ من العملِ نفسِه”؛ لأن النيةَ سرٌّ مأمونٌ من الآفات، بينما العملُ في الظاهرِ معرَّضٌ لعواصفِ العلن.
ولذا فإنَّ كينونةَ العملِ وصلاحَهُ يتوقَّفانِ على جودةِ وإتقانِ وإخلاصِ فاعلِهِ في باطنِهِ.
فإذا خلَصَتِ النيةُ وتلقَّيتَ الإمدادَ من أصلِها النوريِّ، صَلَحَ العملُ كلُّه، أما إذا شابَتْها شائبةٌ أو شبهةٌ تخدشُ سلامَتَها، فسَدَ العملُ برُمَّتِهِ. وهنا يتجلَّى التمايزُ المعرفيُّ الحاسمُ بين “شروطِ الصِّحَّةِ” و”شروطِ القَبولِ”:
شروطُ الصِّحَّةِ: هي التي تُعنى بالهيكلِ، والشكلِ، والأداءِ الميكانيكيِّ المظهريِّ للفعلِ في عالمِ الشهادة.
وشروطُ القَبولِ: هي التي تطلبُ “الجوهرَ والسرَّ”، وذروةُ سَنامِها النيةُ الخالصةُ المتصلةُ بمددِ الحقِّ.
إذ حين تختلُّ شروطُ القبولِ بفعلِ أدواءِ الذاتِ وآفاتِها —كالمُراءاةِ، والمُداراةِ، والمُداهنةِ، والتَّزَلُّفِ— فإنَّ العملَ، وإن جاءَ صحيحًا مُحكمًا في شكلِهِ الخارجيِّ، يصبحُ خاويًا ومفرغًا من مضمونِهِ ومحتواهُ الروحيِّ.
وتبقى عاقبةُ الخائبين: إنَّ العملَ الذي فَقَدَ صبغةَ النيةِ وعلامةَ اعتمادِها الخفيةَ، ولم يستمدَّ من الرقيقةِ المحمديةِ نورًا وقوامًا، يتحوَّلُ في ديوانِ الحقيقةِ إلى “سرابٍ بقيعةٍ يحسبُهُ الظمآنُ ماءً”، حتى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شيئًا.
وتلك هي المأساةُ الكبرى عند “حصادِ الخائبينَ المفلسينَ يومَ الجزاء”؛ الذين جمعُوا قشورَ الأعمالِ في الظاهرِ، وتركُوا باطنَها خرابًا، فارتدَّتْ أفعالُهُم هباءً منثورًا، لأنهم ذهلوا عن الحقيقةِ الأزليةِ بأنَّ الوجودَ يُدارُ من باطنِهِ لا من ظاهرِهِ، وأنَّ المدارَ كلَّ المدارِ.. على ما استقرَّ في هذه القلوب.
فطوبى لمن جعلَ قلبَهُ مأوىً لهذه الأنوار، وصيَّرَ حياتَهُ صدًى لهذه الرقائق؛ فذاك هو الذي عاش بالحقِّ، وللحقِّ، وفي الحقِّ.
فأسرجْ يا صديقي قنديلَ قلبِك.. إنَّ السفرَ طويلٌ، والنورَ قريبٌ.
{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.