السودان في مهب العزلة: مثلث “الكيميائي” ، التعدين المحظور، وشبح الإرهاب

محمد صالح محمد

تتداخل الأزمات في السودان لتشكل معضلة جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد، حيث لم تعد الأزمة محصورة في الصراع المسلح التقليدي بين القوى المتناحرة، بل امتدت لتشمل “تجفيف المنابع” الاقتصادية عبر قرارات دولية صارمة، وتلويحاً باستخدام أسلحة محرمة دولياً، في ظل استمرار هيمنة “إرث الكيزان” (النظام البائد) الذي يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل البلاد. إن المواطن السوداني اليوم يجد نفسه محاصراً في زاوية ضيقة، ضحية لسياسات التمكين السابقة، ولعبة الأمم الحالية التي تضع الذهب السوداني في بؤرة الاستهداف الدولي.
أولاً: لعنة الذهب.. من “اقتصاد الحرب” إلى الحظر الأوروبي
لقد مثل الذهب السوداني لسنوات طويلة “شريان الحياة” الذي يغذي ميزانيات القوى المتصارعة. ومع تصاعد حدة الحرب تحول هذا المورد من أداة للتنمية إلى وقود للصراع. إن قرار الاتحاد الأوروبي والتوجهات الدولية نحو فرض قيود صارمة على الذهب السوداني – بحجة ارتباطه بتمويل النزاع والنشاطات غير المشروعة – يحمل في طياته رسائل سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي.
سيادة الدولة والموارد: يؤدي الحظر إلى فقدان الدولة سيطرتها على مواردها الطبيعية، مما يدفع بالتجارة نحو المسارات غير الرسمية (التهريب)، وهو ما يخدم في نهاية المطاف الميليشيات والجماعات المسلحة التي تسيطر على مناطق التعدين.
المواطن ككبش فداء: الضحية الحقيقية ليست النخب السياسية أو قادة الميليشيات، بل هو المعدن التقليدي والمواطن البسيط الذي يعتمد في معيشته على سلاسل التوريد المرتبطة بقطاع الذهب، حيث يؤدي الحظر إلى انهيار القوة الشرائية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ثانياً: فزاعة “الإرهاب” وتوريث “الكيزان”
لا يزال مصطلح “الإرهاب” يطارد السودان ليس فقط بسبب الممارسات الحالية، بل كإرث ثقيل خلفه نظام “الكيزان” خلال ثلاثة عقود من الحكم. إن ارتباط اسم السودان بـ “القوائم الدولية” وتهم رعاية التطرف جعل البلاد في حالة “عزلة قسرية”.
إن المحللين يرون أن “الكيزان” الذين يسعون للعودة عبر بوابات مختلفة، باتوا اليوم في وضع يحاولون فيه توظيف حالة الفوضى الأمنية لإعادة إنتاج “شرعيتهم” تحت مظلة “حماية الدولة من الإرهاب”. هذه التكتيكات تخلق معضلة للمجتمع الدولي: كيف يمكن التعامل مع أطراف داخلية متهمة بـ “تصدير الإرهاب” في الماضي، وتخوض حرباً مدمرة في الحاضر؟
ثالثاً: شبح “الكيميائي”.. التطور النوعي في الصراع
تعد التقارير والاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية أو مواد محظورة في النزاع السوداني مؤشراً خطيراً على انزلاق الصراع إلى مرحلة “اللا عودة”. إن دخول هذا المتغير في المعادلة الأمنية يغير قواعد اللعبة دولياً، ويمنح القوى العظمى مبررات للتدخل المباشر أو فرض عقوبات شاملة قد تضع السودان تحت “الوصاية الدولية” أو العزلة التامة.
الأثر النفسي والاجتماعي: إن الحديث عن “الكيميائي” لا يهدد حياة السودانيين فحسب، بل يضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي، حيث يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال، ونزوح العقول، وتدمير البيئة الحيوية لمناطق الإنتاج.
المسؤولية الجنائية: هذه الاتهامات تفتح الباب أمام ملاحقات جنائية دولية مما يعقد أي تسوية سياسية مستقبلية، ويجعل القادة المتورطين في حالة من “التصلب الوجودي” خوفاً من المحاسبة، مما يطيل أمد الحرب.
إلى أين يمضي المواطن؟

إن المواطن السوداني اليوم يدفع فاتورة باهظة لسياسات “الإقصاء والتمكين” التي أسسها نظام البشير، ويدفع أيضاً فاتورة طموحات قوى الحرب الحالية التي لا ترى في السودان سوى غنيمة. إن الحظر الأوروبي للذهب، والتلويح بورقة الإرهاب، والخوف من الترسانة الكيميائية؛ ليست سوى حلقات في سلسلة حصار تطبق على رقبة الدولة.

لا مخرج من هذا النفق إلا عبر استعادة الإرادة الوطنية، وفك الارتباط بين الموارد الوطنية ومصالح القوى المتصارعة. إن السودان يحتاج إلى رؤية استراتيجية تتجاوز صراعات “الكيزان” وميليشيات الحرب، نحو بناء نظام اقتصادي وسياسي شفاف يخرج الذهب من دائرة “التمويل المشبوه” إلى دائرة “التنمية المستدامة” قبل أن يتحول البلد إلى منطقة عازلة تائهة في دهاليز السياسة الدولية.يجد المواطن السوداني نفسه اليوم في مواجهة معضلة أخلاقية وسياسية؛ فهو بين مطرقة قرارات دولية تحاصر موارده (الذهب)، وسندان قوى داخلية تعبث بمصيره وتورطه في ملفات دولية خطيرة (الإرهاب والكيميائي). إن تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية ليس حلاً، بل هو وصفة لانهيار هيكلي شامل. إن استعادة السودان لسيادته المفقودة تقتضي وقفة جادة تجاه من أدخلوا البلاد في هذا النفق المظلم، مع ضرورة أن يدرك المجتمع الدولي أن العقوبات التي لا تميز بين ‘أمراء الحرب’ والمدنيين قد تمنح هؤلاء القادة ذريعة للاستمرار في قمع الشعب مما يجعل من المواطن ضحيةً مرتين: مرةً لنيران الحرب، ومرةً لعزلة دولية يفرضها واقع لا يد له فيه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.