بين التحذير المبكر وشهادة المنشقين: لماذا نصرّ على أن تنظيم الإخوان المسلمين ما يزال يمثل خطراً؟

 حسن عبد الرضي

 

طالعتُ شهادةً تُنسب إلى أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المنشقين عن التنظيم، فعادت بي الذاكرة إلى عقود مضت قرأتُ فيها كتابات للإخوان الجمهوريين يحذرون فيها الشباب من هذا التنظيم الدخيل.

وتذكرتُ ما تيقنتُ منه منذ ذلك الحين، وهو أن المفكر السوداني الشهيد الأستاذ محمود محمد طه لم يكن ينظر إلى تنظيم الإخوان المسلمين بوصفه مجرد جماعة تختلف معه في الرأي أو الاجتهاد، وإنما كان يرى فيه مشروعاً سياسياً يتخذ من الدين وسيلةً للوصول إلى السلطة.

ولذلك ظل، الإخوان الجمهوريون، يحذرون الشباب السوداني من الانخراط في هذا التنظيم، مؤكدين أنه تنظيم دخيل على البيئة السودانية وثقافتها، وأنه يحمل أساليب في العمل والتنظيم لا تنسجم مع طبيعة المجتمع السوداني القائمة على الوضوح والتسامح والصدق.

واليوم، وبعد عقود من ذلك التحذير، تأتي شهادات عدد من المنشقين عن تنظيم الإخوان المسلمين لتثير أسئلةً جادة حول طبيعة الممارسات التنظيمية التي يتحدثون عنها.

ومن بين هذه الشهادات ما نُسب إلى الدكتور طارق البشبيشي، الذي وصف ممارسات داخل التنظيم، مثل الاتفاق على روايات مضللة لتبرير الاجتماعات السرية أمام أجهزة الأمن، واستغلال المظاهر الدينية لكسب تعاطف العامة، معتبراً أن الهدف كان تقديم الصراع السياسي على أنه اضطهاد للدين، لا مجرد مواجهة مع تنظيم محظور.

إذا صحت هذه الروايات، فإنها تعكس نمطاً من العمل يقوم على توظيف المشاعر الدينية لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية، وهو ما يفسر جانباً من النقد الذي وجهه الأستاذ محمود محمد طه إلى الإسلام السياسي.

فقد كان يرى أن الدين رسالة لتحرير الإنسان وتهذيب ضميره، لا أداةً للدعاية السياسية أو التعبئة الحزبية.

وكان يرفض أن تُستغل قدسية القرآن أو الشعارات الدينية في معارك السلطة، لأن ذلك، في نظره، يخلط بين الإيمان الصادق والمصلحة الحزبية.

ولعل أخطر ما تكشفه مثل هذه الشهادات هو أن التنظيم، بحسب أصحابها، لم يكن يكتفي بالمنافسة السياسية، بل كان يستخدم أساليب دعائية تستثمر التدين الفطري لدى الناس، فتجعل أي إجراء قانوني ضد التنظيم يبدو وكأنه حرب على الإسلام نفسه.

وهنا يصبح النقد موجهاً إلى منهج سياسي، لا إلى الدين، لأن الدين لا يحتاج إلى التلاعب بالعواطف أو صناعة المظلوميات ليُقنع الناس بحقيقته.

لقد كان الأستاذ محمود يكرر أن أخطر ما يهدد الإسلام ليس خصومه المعلنون، وإنما من يتحدثون باسمه ثم يوظفونه لخدمة مشاريعهم السياسية.

وكان يؤكد أن الصدق هو أساس الدعوة، وأن الوسيلة لا تنفصل عن الغاية؛ فمن يبني مشروعه على الخداع أو التضليل أو استغلال المقدسات، لا يمكن أن يقيم مجتمعاً يقوم على الحرية والعدل.

كما أن وصفه للإخوان المسلمين بأنهم تنظيم دخيل على السودان لم يكن يقصد به الأصل الجغرافي فحسب، وإنما كان يقصد أن أسلوب التنظيم السري، والطاعة التنظيمية الصارمة، وتقديم الولاء للجماعة على الولاء للوطن، كلها مفاهيم غريبة عن التقاليد السياسية والاجتماعية السودانية التي عُرفت بالانفتاح والحوار والتعدد.

ولا تكفي شهادة شخص واحد للحكم على تنظيم كامل أو على جميع أفراده؛ فمثل هذه الشهادات تمثل رواية صاحبها، وتحتاج إلى النظر إليها ضمن سياق أوسع من الدراسات والوقائع التاريخية.

غير أن تكرار شهادات مشابهة من عدد من المنشقين، إلى جانب التجارب السياسية التي عرفتها المنطقة وخبرها السودانيون “بيان بالعمل”، يجعل من المشروع إعادة قراءة التحذيرات المبكرة التي أطلقها الأستاذ محمود محمد طه، لا بوصفها خصومةً شخصية، وإنما باعتبارها نقداً لفكرة توظيف الدين في العمل الحزبي.

لقد كان تحذيره دعوةً إلى حماية الدين من الاستغلال، وحماية المجتمع من تحويل الإيمان إلى وسيلة للاستقطاب السياسي.

وكلما ظهرت شهادات تتحدث عن استخدام الشعارات الدينية أو الرموز المقدسة لتحقيق مكاسب تنظيمية، عاد السؤال الذي طرحه الأستاذ محمود منذ عقود: هل يبقى الدين ديناً عندما يتحول إلى أداة في يد التنظيم السياسي؟

ذلك هو السؤال الذي لا يزال مطروحاً، والذي لا تزال الوقائع تدعو إلى التأمل فيه بجدية وموضوعية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.