مناوي… حاكم دارفور المُقيم ببورتسودان..

نورا عثمان

منذ اندلاع الحرب، أصبح المشهد السياسي في السودان أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ولم تعد المناصب وحدها معيارًا لقياس النفوذ، بل أصبحت القوة الفعلية مرتبطة بمن يملك التأثير على الأرض، ومن يستطيع أن يفرض نفسه في معادلات الحرب والسلام. في هذا السياق، يبرز اسم حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بوصفه أحد أبرز الفاعلين الذين انتقلوا من موقع الشريك في اتفاق جوبا إلى موقع الشريك في إدارة أزمة وطنية مفتوحة. لكن السؤال الذي يتردد اليوم داخل الأوساط السياسية هو: هل لا يزال مناوي يحتفظ بالثقل السياسي نفسه، أم أن نفوذه يواجه اختبارًا جديدًا؟
المفارقة أن الرجل يحمل صفة حاكم إقليم دارفور، بينما يقيم ويباشر معظم نشاطه السياسي من بورتسودان، نتيجة الظروف الأمنية والحرب. وهذه المفارقة دفعت كثيرين إلى التساؤل عن مدى قدرة مؤسسات اتفاق جوبا على ممارسة صلاحياتها في ظل واقع فرضته الحرب، وأعاد رسم خريطة السلطة والنفوذ.
لقد منح اتفاق جوبا للسلام الحركات المسلحة أدوارًا واضحة داخل هياكل الحكم الانتقالي، وكان منصب حاكم إقليم دارفور أحد أبرز نتائج الاتفاق. غير أن استمرار الحرب غيّر أولويات الدولة، وأصبح القرار الأمني والعسكري هو الأكثر حضورًا، بينما تراجع الاهتمام العملي بتنفيذ كثير من بنود الاتفاق.
ويرى مراقبون أن مناوي ما زال يستند إلى اتفاق جوبا بوصفه المرجعية السياسية والقانونية التي تمنحه شرعية موقعه، وأن أي إعادة هيكلة للسلطة أو تعديل في مؤسسات الحكم سيصطدم بسؤال جوهري: ماذا سيكون مصير الاتفاق الذي مثّل أساس مشاركة الحركات المسلحة في السلطة؟
في المقابل، يرى محللون أن موازين القوى التي أفرزتها الحرب قد تدفع نحو إعادة ترتيب المشهد السياسي، بما في ذلك مراجعة بعض الهياكل التي أُنشئت قبل الحرب. لكن ذلك لا يعني بالضرورة إقصاء شخصيات بعينها، إذ لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد اتجاهًا من هذا النوع.
ويعتقد بعض المراقبين أن نفوذ مناوي اليوم لا يرتبط فقط بالمنصب الذي يشغله، بل أيضًا بوزن الحركة التي يقودها، وعلاقاتها داخل التحالفات العسكرية والسياسية، إضافة إلى مكانتها في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإقليم دارفور.

يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع اتفاق جوبا أن يصمد أمام المتغيرات التي فرضتها الحرب؟ فإذا ظل الاتفاق هو المرجعية الأساسية لأي تسوية سياسية، فإن القوى التي جاءت عبره، وفي مقدمتها مناوي، ستظل جزءًا من المعادلة. أما إذا اتجهت البلاد نحو صيغة سياسية جديدة تعيد تشكيل مؤسسات الدولة بالكامل، فقد تجد جميع الأطراف نفسها أمام واقع مختلف، لا يقتصر تأثيره على منصب حاكم الإقليم وحده، بل يمتد إلى مجمل التوازنات التي تأسست بعد توقيع الاتفاق.

في النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كان مناوي يقترب من الإقصاء، بل كيف ستتعامل أي تسوية مقبلة مع اتفاق جوبا نفسه. فمصير الرجل السياسي يبدو، إلى حد كبير، مرتبطًا بمصير الوثيقة التي منحته شرعية المنصب، أكثر من ارتباطه بالتوازنات اليومية التي تفرضها الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.