(يجب أن تلعب المنظمات الحقوقية الوطنية دوراً أكبر، وأن تبدأ تحرّكاتها لاستثمار هذه الفرصة في مجلس حقوق الإنسان، واستغلالها لإدخال بند صريح حول استخدام الأسلحة الكيماوية والمحرّمة في السودان.)
طيف أول:
لذلك الغرقُ متّسعٌ بين شهقتين وزفرة،
يحيط حتى أركان اللاشيء، ويشقّ الضوءُ طريقاً في العدم.
واستخدام الكيماوي هو واحد من أشدّ أنواع القمع الوحشية، ويؤكد أن السلطات تصنع مناخاً خطيراً للإرهاب، لذلك في جميع دول العالم تعلن الشعوب رفضها القاطع له وبشدة، وتقاطع أنظمتها.
وفي السودان، لأن الميدان ساحة حرب، لم يستطع الشعب الخروج في ثورة ضد البرهان بسبب استخدامه للسلاح الكيماوي.
وشُلّ الشعب ليس بالحرب وحدها، بل بالقمع، والآن بالجوع ومعاناة النزوح.
ومن المفارقات أن الأنظمة التي استخدمت السلاح الكيماوي في العالم واجهت ثورات شعبية مباشرة تطالب بإسقاط الأنظمة فوراً، بينما في السودان، بعد اتهام البرهان باستخدام أسلحة محرّمة، يريد الجنرال من الشعب نفسه أن يمنحه شرعية جديدة ليعود إلى الحكم، وهذه مفارقة سياسية وأخلاقية صارخة.
فالحاكم الديكتاتور والمستبد الذي يقتل شعبه، أكثر ما يقلقه أن هذا الاتهام يضعه في مواجهة مع شعبه أكثر من المجتمع الدولي، لأن غضب الشعب هو الذي يقصّر عمر الحكومات. لكن البرهان يحاول أن يستخدم الشعب لمجابهة هذا الخطر.
لذلك يمكن للمنظمات الحقوقية والعاملة في مجال حقوق الإنسان أن يكون لها دور أكبر للتحدّث عن الشعب بالإنابة ليس فقط بتوفير ما يعزّز هذه الملاحقات القانونية، بل بأن تنوب عنه حتى في التعبير عن الرفض لهذه الجريمة والتنديد بها، وأن تنظّم حملات ومبادرات في الخارج، وترفع صوتها وتدين هذه الجريمة في المنابر العدلية والإنسانية، وأن تخلق زخماً إعلامياً عبر وقفات واحتجاجات وبيانات، وتطالب بالسماح للجنة تقصّي الحقائق وغيرها من الأتيام بالدخول إلى السودان، لتتحقق العدالة لهذا الشعب الذي تُرتكب ضده انتهاكات محرّمة بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يمنح الجاني شرعية للعودة إلى الحكم.
فالمنظمات في كل الدول التي اتُّهمت أنظمتها باستخدام الكيماوي انخرطت فوراً في جمع الأدلة، وخرجت إلى الشارع والإعلام تتحدث عن خطر هذه الجرائم، وظلّت تناشد مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة ولجان التحقيق للتدخل. فالأسلحة الكيميائية مواد خطيرة تسبب الموت و الضرر البليغ الطويل، ولا ينتهي مفعولها بانتهاء المعارك في الخرطوم.
وثار الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد في مارس 2011 بسبب استخدام النظام الأسلحة الكيميائية (مثل غاز السارين والكلور) مرات عديدة في محاولة لكسر إرادة الثوار. واستمرت الثورة وتوسّعت رقعة المواجهة، وتبنّت منظمات حقوقية ووطنية القضية لسنوات عديدة حتى سقوطه.
والشعب الإيراني أيضاً تقدّمت منظماته الصفوف ووقفت جنباً إلى جنب مع الشعب في احتجاجات واسعة ضد نظام الملالي، لاستخدام النظام القوة المفرطة وعوامل كيميائية سامة ضد المتظاهرين. فهم يرون بصدق أن هذه الأسلحة تظل من المحرّمات دولياً، واستخدامها ضد المواطنين يُعدّ جريمة حرب كبرى بموجب الاتفاقيات العالمية.
لذلك فإن رغبة البرهان في البقاء بالحرب أو البقاء بالحكم، مع محاولة استغفال المواطن، لا يجب أن تُواجَه بالانتظار أو الصمت، بل بفعل مدني منظّم.
وإن تبديدها لا يمكن أن يُترك للصدفة أو يُحمَّل بالكامل على الكيانات السياسية التي تؤدي دورها السياسي. فالمطلوب فعلٌ مدنيٌ صلبٌ تتبناه المنظمات الوطنية والحقوقية والعدلية، وتفرضه في كل المنابر الدولية، وتُسمِع العالم صوت الشعب الذي يُقتل ويُشرَّد بينما يُطلب منه أن يمنح الجاني شرعية جديدة.
ويمكنها أن تخاطب مجلس حقوق الإنسان، أو أن ترفع مذكرة رسمية للمحكمة الجنائية الدولية. ولطالما أن الكيماوي استخدم في مناطق بدارفور (دائرة اختصاص الجنائية)، فهذا جزء أصيل من دور المنظمات.
والدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان، التي تبدأ في 7 سبتمبر إلى بداية أكتوبر، ستكون دورة حاسمة لذلك يجب أن تستفيد المنظمات الحقوقية وتبدأ تحرّكاتها لاستثمار هذه الفرصة الذهبية التي يمكن استغلالها لإدخال بند واضح وصريح حول استخدام الأسلحة الكيماوية أو المحرّمة في السودان، لأن جدول أعمال سبتمبر عادةً يشمل ملفات الانتهاكات الجسيمة، والسودان لا شك سيكون حاضراً بسبب الحرب.
فأي منظمة يمكنها تقديم مذكرة مكتوبة أو مداخلة شفهية، وإذا تحركت المنظمات مبكراً، يمكنها التأثير على صياغة القرار النهائي قبل اعتماده.
فإن ترك هذا الملف خارج النص يعني عملياً منح غطاء دولي للصمت، وتجاهل جريمة محرّمة دولياً. فالمطلوب تحرك منسّق، وتعاون وتعاضد بين هذه المنظمات لإحداث ضغط جماعي مباشر على الدول الأعضاء لضمان أن يظهر الكيماوي في القرار الخاص بالبلد دون مواربة أو تخفيف.
طيف أخير:
#لا_للحرب
شكّلت قوى إعلان المبادئ السوداني، باجتماعاتها، جبهة مدنية صلبة، إذ قالت إنها تعمل على استكمال مسار ثورة ديسمبر المجيدة، وهزيمة مشروع الحركة الإسلامية الإرهابية التي أشعلت الحرب وتتكسب من إطالة أمدها.
وتؤكد أنه لا حلّ عسكرياً للأزمة السودانية، وأن الطريق لإنهاء الحرب يتطلب العمل المشترك بين كافة القوى الديمقراطية المناهضة للحرب.
وفي ذات الوقت يجتمع البرهان في الداخل مع الكتلة الديمقراطية بعد فشلها في تسويقه إقليمياً على طريقة «المال تلتو».
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.