السودان عندما صار التنظيم هو الدولة الداعشية الإخوانية الارهابية ١٩٨٩م _ ٢٠١٩م لكي لا ننسى.. وللتاريخ
بشير محمد الحسن
بعد ثلاث سنوات من الحرب والموت والجوع.. “الكيزان” يشنون حملة إعلامية لتأجيج السودانيين ضد الحركات المسلحة.. فمن يتحمل تكلفة حرب جديدة؟
في تطور خطير يكشف عن نوايا إعادة إنتاج الصراع، كشفت مصادر عن اجتماع عقده قيادات “الكيزان” خلال الأيام الماضية، خرجوا منه باتفاق على شن حرب إعلامية ممنهجة تستهدف الحركات المسلحة بهدف تأجيج الشارع السوداني ضدها، في وقت تعاني فيه البلاد من ويلات حرب مدمرة دخلت عامها الثالث.
ماذا دار في اجتماع الكيزان؟
وفق المعطيات، اجتمع قيادات المؤتمر الوطني والنافذون في التيار الإسلامي، وقرروا توظيف إعلامهم ومنصات التواصل الاجتماعي والصفحات الموالية لهم لـ:
· إبراز أي تفلتات أمنية ترتكبها عناصر الحركات المسلحة في المدن التي تنتشر فيها، حتى لو كانت أحداثاً صغيرة أو فردية.
· تكبير الصورة إعلامياً لأي فوضى أو تجاوزات، بهدف خلق حالة من الغضب الشعبي ضد هذه الحركات.· التحريض المباشر على إخراج هذه العناصر من المدن، عبر تعبئة المواطنين ضدها.
والهدف الخفي من هذه الحملة هو خلق شرخ بين المواطنين والحركات المسلحة، وتقديمها كـ”فوضى” داخل المدن، ما يسهل مهمة عزلها سياسياً وشعبياً.
خلفية الصراع: حصص الحكم بين البرهان والحركات :-
لكن هذه الحملة الإعلامية لم تأت من فراغ، بل تأتي في سياق خلاف حاد بين قائد الجيش عبدالفتاح البرهان والحركات المسلحة (خصوصاً حركة جبريل إبراهيم ومناوي) حول حصص الحكم والمناصب التنفيذية في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
فبينما يقدم البرهان عروضاً لتقليص تمثيل هذه الحركات في الحكومة (مثل عرض وزارة واحدة بدلاً من ثلاث)، تتمسك الحركات بحصصها السابقة، وترفض التفريط في مكاسبها السياسية التي حصلت عليها باتفاق مع الجيش. وهذا الخلاف هو ما دفع البرهان للجوء إلى خطة بديلة.
خطة البرهان: لجنة إخراج العناصر المسلحة من المدن :-
في يناير 2025 وجّه البرهان بتشكيل لجنة لإخراج العناصر المسلحة من المدن وطلب منها الاجتماع بشكل روتيني، وكأنها إجراء إداري طبيعي.
لكن الحركات المسلحة اكتشفت الهدف الحقيقي لهذه اللجنة، وهو ليس مجرد تنظيم وجودها، بل تمهيد لإخراجها قسراً من المدن كخطوة أولى لتجريدها من أي ثقل ميداني، تمهيداً لفرض شروط البرهان السياسية.
رد فعل الحركات: إعادة قواتها إلى الخرطوم:-
وهنا جاء الرد الحاسم من قادة الحركات المسلحة، حيث طالبت بإعادة بعض قواتها الموزعة في بعض مناطق الصراع إلى العاصمة الخرطوم.
وتشير التفاصيل إلى أن جبريل إبراهيم أرسل ثلاثة آلاف وستمائة سيارة مسلحة من قوات حركته في محور كردفان إلى الخرطوم، في خطوة اعتُبرت رسالة واضحة بأن الحركات لن تسمح بتهميشها أو إخراجها من المشهد بالقوة.
هذا التحرك العسكري زاد من حدة التوتر، وجعل المشهد أشبه بـ”حرب استباقية” يسبقها إعلام مسموم من جهة الكيزان، وردود فعل ميدانية من جهة الحركات.
وفي تطور يعكس تعقيد المشهد، كشف اجتماع البرهان ومناوي الأخير عن رفض الأخير إخراج القوات كلها إلى محور كردفان، وهو ما يشهد بأزمة ثقة بين الطرفين، كما برز خلاف واضح حول تحركات كل من كباشي وعقار، بالإضافة إلى لقاء كباشي بمسعد بولس، مما يدل على وجود انقسامات وخلافات داخل معسكر السلطة نفسه.
ومع كل هذه التحركات الإعلامية والسياسية والعسكرية، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: إذا اشتعلت حرب جديدة، من سيدفع ثمنها؟ الإجابة المؤكدة هي الشعب السوداني الذي يعاني بالفعل من أزمة إنسانية وصفتها المنظمات الدولية بأنها الأسوأ في العالم، مع أكثر من أربعة عشر مليون نازح ولاجئ، وأكثر من واحد وعشرين مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وانهيار شامل للاقتصاد والخدمات الأساسية، ففي كل مرة يدفع المدنيون الأبرياء الثمن من دمائهم وأمنهم وحياتهم، وحرب جديدة لن تعني سوى المزيد من الموت والجوع والنزوح لشعب أنهكته الحروب ولم يعد يملك إلا القليل من الأمل في غد أفضل.لم تكن “ثورة الإنقاذ” مجرد تبديل في سدة الحكم، بل كانت قطيعة مكتملة الأركان مع مفهوم الدولة في السودان. فخلال ثلاثين عاماً، من ١٩٨٩م وحتى ٢٠١٩م، جرى تفكيك الدولة التي توارثناها منذ ١٩٥٦م، وأُقيم على أنقاضها كيان شاذ في جوهره وغريب عن تربة السودان ووجدان أهله،
كيان يقوم على منطق “الحركة والتنظيم” لا على منطق المؤسسة والقانون. ولم يكن هذا الكيان امتداداً طبيعياً لتاريخنا السياسي. فالسودان عرف الدولة القبلية ودولة المهدية ودولة الاستعمار ودولة ما بعد الاستقلال بعلاتها ومحاسنها، ولكل منها جذورها وتجربتها. أما “دولة الحركة” فلم ترتكز على أي تجربة سودانية ماضية تستلهم منها، ولم تستند إلى الإرث الإسلامي في الحكم بكل ما تشمله مناحي السياسة والاقتصاد والاجتماع والعدل والشورى وحقوق الإنسان، فجاءت كنموذج ارتجالي مفصول عن الواقع وعن التاريخ وعن مقاصد الدين معاً. فتم تبني نموذج دخيل كان عرابه الدكتور حسن الترابي، يقوم على فكرة “دولة الحركة” التي تسبق “دولة الوطن”، وعلى مشروع “التمكين الشامل” كآلية للبقاء، حيث يصير الحزب الإطار الجامع للدولة والمجتمع، والوطن أرضه التي يحكمها لا شعبه الذي يخدمه. وحاول أن يفصّل على جسدنا التعددي المفتوح ثوباً أحادياً ضيقاً، فتمزق الثوب وتمزق الجسد معه.
(٢)
ومن هنا بدأ التفكيك الممنهج للدولة. ضربوا عقد المواطنة واستبدلوه بمبدأ “التمكين”. حيث لم يعد المعيار الكفاءة والنزاهة والخبرة، بل الولاء الفكري والتنظيمي، فجرت أدلجة الدولة كلها. اختُرقت الخدمة المدنية والقوات النظامية والجامعات والإعلام والمساجد وحُوّلت من مؤسسات قومية إلى أدوات للمشروع. وبرزت “دولة الفتوى” التي تُلبس كل قرار سياسي أو اقتصادي أو أمني لباساً شرعياً، حتى وإن تصادم مع مقاصد الشريعة في العدل والحرية. وتجاوز الأمر ذلك إلى إنتاج منظومة أتباع احتكرت تعريف “الدين” و”الوطنية” ونصّبت نفسها وصياً على الضمائر. وكان أخطر أدواتها هو تسييس الفتوى، وتبرير قتال الداخل بفتاوى “جهاد الدفع” كما حدث في “حرب الجنوب”، فأُخرج الخصم السياسي من دائرة الوطن إلى دائرة “الردة” و”الخيانة” التي تجوز محاربته واستباحة دمه وماله. وجرى تقييد الحريات العامة بشكل منهجي عبر إلغاء حق التنظيم والتعبير والتجمع وسن تشريعات مقيدة.
(٣)
ولضمان استمرار هذا النموذج تم التمكين في مفاصل الدولة الحيوية. ففي القضاء جرى احتكاره عبر التعيين السياسي وإنشاء المحاكم الاستثنائية وسن قوانين الأمن الوطني والنظام العام، فتحولت “سيادة القانون” إلى “سيادة النظام” وغابت المساءلة. وفي الاقتصاد تحولت الدولة إلى دولة تمكين، فجرى الاستيلاء على شركات القطاع العام وخصخصتها لصالح منسوبي الحركة، والسيطرة على الجهاز المصرفي، والاستحواذ على الأراضي عبر ما سمي “بيوتات التمويل”. وانتشر الفساد الممنهج تحت غطاء “التحلل” و “العفو العام” فصار النهب مؤسسة محمية بالقانون. وأضاف إلى ذلك نظاماً إدارياً مترهلاً قام على تقسيم السودان من تسع ولايات إلى ثمانية عشر ولاية، ومن عشرات المحليات إلى مائة وتسع وثمانين محلية، لم يكن الهدف منه التنمية ولا تقريب الخدمة ولا تخفيف الظل الإداري، بل خلق وظائف سياسية ومراكز نفوذ جديدة لاستيعاب كوادر الحركة، فأرهق خزينة الدولة بجيوش من الدستوريين وتضخم الحكومة المركزية القابضة بأجهزتها الموازية. كما ضرب الحوكمة في مقتل، فجرى تدمير فصل السلطات ومركزية القرار المالي خارج الموازنة، وغياب الرقابة والشفافية والمحاسبة. فانصهرت السلطات الثلاث: السياسية والدينية والاقتصادية في كتلة مصالح واحدة، ونشأت طبقة طفيلية لا تميز بين مال الحزب والمال العام. أما في الأمن فقد تم تفكيك مفهوم القوات المسلحة القومية ذات العقيدة الواحدة، وبناء منظومة أمنية وعسكرية تعددية إلى جانب الجيش، كجهاز الأمن والأمن الطلابي والدفاع الشعبي وكتائب الظل وغيرها، وقوات الدعم السريع، فانتقل احتكار العنف المشروع من الدولة إلى التنظيم. ولم يسلم الإعلام والتعليم من الأدلجة، فجرت مصادرة الصحف وتأميم الإذاعة والتلفزيون وإعادة كتابة المناهج لإنتاج إنسان موالٍ للتنظيم لا للدولة.
(٤)
وعلى صعيد المجتمع، اكتمل المشروع بوأد المجتمع المدني عبر حل النقابات والاتحادات والأحزاب السياسية واستبدالها بواجهات مصنوعة، أحزاب “التوالي”، فغاب صوت المجتمع وأدواته الرقابية. وجرى تدمير الخدمة المدنية المحايدة بسياسة الإحالة “للصالح العام” ثم إعادة بنائها على أساس الولاء لا الخبرة. وأُنشئت “مؤسسات موازية” من مجالس وهيئات وشركات وصناديق سيادية تعمل خارج الموازنة العامة وخارج رقابة ديوان المراجعة القومي، وتتبع مباشرة لمراكز نفوذ داخل الحركة. ورُفعت شعارات مثل “مشروع السودان الحضاري” لكن لم نرَ لها أثراً في خدمة الدين بسن قوانين تحفظ كرامة الإنسان، ولا في خدمة المجتمع بقيام مستشفيات أو مدارس أو مصانع ذات أثر على حياة المواطن. كان “النهج الحضاري” هو نهج التمكين ليس إلا. أما على صعيد العلاقات الخارجية، فكانت دولة مقطوعة الجذور عن محيطها، ظلت في حالة قطيعة وصراع دائم مع الإقليم والعالم إلا فيما يخدم بقاءها، وتم تصدير شعارات الثورة العالمية واستيراد أزماتها للداخل، فعُزل السودان دبلوماسياً واقتصادياً ودخل قوائم الإرهاب والعقوبات بينما ازدهرت شبكات المصالح الخاصة.
(٥)
وبعد هذا التفكيك المنهجي لكل مؤسسات الدولة وهياكل الحوكمة، لم ينتج كيان على هيئة دولة دينية متكاملة، ولا دولة عسكرية تقليدية، ولا حتى نظام الحزب الواحد الكلاسيكي، وإنما تشكل كيان هجين هو “دولة الحركة”. دولة قامت على مصادرة الدولة وتحويلها إلى غنيمة، واستبدال المؤسسات بالشبكات، والقانون بالولاء، والمواطنة بالانتماء، والصالح العام بالمصلحة التنظيمية. وكان أخطر ما أنتجته هو الضرر العميق الذي لحق بالهوية السودانية والنسيج الاجتماعي، حيث فرض نموذج ثقافي وسياسي أحادي قائم على الإقصاء والتخوين، ألغى تعددنا الذي هو جوهر هويتنا، واستبدل مفهوم “المواطنة” بمفهوم “الموالاة”. فتم شيطنة الخصوصيات الثقافية والجهوية والعرقية وتقديمها كتهديد، بدل اعتبارها ثراءً. وكانت المحصلة الطبيعية لذلك هي أن انفصل جزء عزيز من الوطن هو جنوب السودان (٢٠١١م)، وتفجرت الحروب في دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان. ولذلك عندما سقطت الحركة في أبريل ٢٠١٩م سقطت الدولة معها، لأن ما بُني على التنظيم لا يصمد بسقوطه.
إن ما يعيشه السودان اليوم من حروب وانقسامات وأزمات اقتصادية وسياسية وأمنية، ليس إلا نتاجاً مباشراً لتلك السياسات الكارثية التي أنتجها ذلك النظام. وهو النظام ذاته الذي لا يزال يصارع للعودة من بوابات الحرب والفوضى، ويتحمل الوزر الأكبر في إشعال نيران اليوم وخراب الغد.
فساد الكيزان المسكوت عنه :
كان في الجامعات الحكومية منحة سنوية لحفظة القرآن الكريم من طلاب الثانوي الممتحنين الشهادة السودانية ، ما يتجاوز ال ١٠٠٠ مقعد كل سنة ، الكيزان بشيلوا ٩٠٠ مقعد لأعضاء الحزب من طلبة الشهادة السودانية التم تجنيدهم مسبقاً عن طريق جمعية القرآن الكريم ، ممكن الواحد آية واحدة ما يكون حافظها زي الناس ويدخل الجامعة بالمنحة دي ، عشان كده تحسس أي كوز دخل جامعة حكومية ، غالبا ما ح يكون دخلها بي حقه ، ده غير انهم ببقوا عالة على الجامعة بصرفوهم من الصندوق القومي لدعم الطلاب ، الواحد تلقاه قاعد في سنة أولى عشرة سنوات ما يقدر يتخرج الا يجو زملانه يهددوا الدكاترة ، بالفصل أو الملاحقة بتفكيك الكيزان إن بناء الدولة يبدأ بالاعتراف بجريمة هدمها. وما زلنا حتى اليوم نعيش في فراغ الدولة وندفع ثمن هذا التشوه البنيوي العميق، الذي لن يُعالج إلا بمشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة الدولة أولاً: دولة لكل السودانيين… دولة الحرية والسلام والعدالة والمساواة والتنمية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.