جدلية دولة 56

إسماعيل عبد الله

دولة 56 المصطلح السياسي الذي ذاع صيته في وسط المثقفين السودانيين وحملة الرأي والمفكرين، بعد اندلاع حرب أبريل قبل ثلاثة سنوات، وهو باختصار يعني دولة ما بعد (الاستقلال) التي حكمتها نخبة وصفوة هي امتداد للاستعمار ولكن بشكل ناعم، ولاحقاً سميت هذه الصفوة بالاستعمار الداخلي، لأنها أخفقت في انتشال الدولة من نظام الإدارة الاستعمارية وكرّست لإدارة داخلية سارت على نهج المستعمر الاستغلالي والمستنزف لموارد البلاد، بل وأصبحت بيضاء اكثر من البيض المستعمرين انفسهم، فاستلفت سلوك المستعمر وكرّست لسياسة فرق تسد بإشعال الحروب ضد المكونات السكانية بغرض الانفراد بالسلطة والاستنفاع بها في أطر اجتماعية وجهوية محددة، مصطلح دولة 56 برأيي اختزل جميع التصورات التي ترى أن أس الأزمة الوطنية يتمحور حول الصراع بين المركز القابض والمتجبر والأطراف المهمشة والمستبعدة من المشاركة الحقيقية في السلطة، وكذلك احتوى مصطلح دولة 56 ذلك التصور الذي يرى أن الانتكاسة الوطنية سببها الطبقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المسيطرة على الثروة والسلطة، التي ينحدر غالب رموزها من وسط وشمال السودان، فدولة 56 لم تعد مجرد صفوة ونخبة بل أصبحت مجتمعات بأكملها، بحسب انعكاسات واستخدامات هذا المصطلح، فمثلاً لو شاهد احد المهمشين حفلاً باذخاَ لمجتمع خرطومي مترف، بصرف النظر عن خلفيات افراد هذا المجتمع السياسية او الاقتصادية يطلق المهمش على هذه الظاهرة دولة 56، بمعنى أنك لو اكتنزت المال من حر جهدك وعرقك وانت تنتمي لهذا المجتمع فأنت بالضرورة ست وخمسيني معتق، أو جلابي آكل لأموال المهمشين وهاضم لحقوقهم.
في ظل الحرب وبين ارهاصات الصراع الجهوي الصارخ، تضررت قطاعات من افراد وبعض مجتمعات ينتمون الى الشمال النيلي ووسط السودان جراء التصنيف النابع من انعكاسات هذا المصطلح، فقط لأن أحدهم جده المهدي او الميرغني او الزبير باشا او المك نمر او مهيرة بت عبود او النفيدي او الشيخ مصطفى الأمين، فانعكاسات هذا المصطلح السالبة تتطابق تماماً مع ارتدادات مصطلحات عنصرية وجهوية سالبة أخرى بل وفجّة، ظهرت مع هذه الحرب مثل “عرب الشتات” و”دولة العطاوة” و”دولة جنيد”، جميع هذه المجتمعات والمكونات السكانية والمجتمعات المستهدفة تضررت من التعاطي المغرض مع هذه المصطلحات الطارئة، ولعبت وما تزال تلعب دوراً سالباً في شق اللحمة الوطنية، فتباعدت الشقة بين المكونات الاجتماعية السودانية وساهمت الدلالات الخبيثة لهذه المصطلحات في تغليب كفة الانقسام وتعاظم وتفاقم الاحتمال ببروز دولة سودانية جديدة ليكون اسم السودان متقاسماً بين ثلاث دول – السودان وجنوب السودان والسودان الجديد(غرب السودان) الذي تحكمه فعلياً حكومة تأسيس وهو دولة جديدة في طور التخلق والتأسيس، هذه المصطلحات السياسية لم تأتي من فراغ، فهي خلاصة جدل فكري وتدافع أكاديمية وبحثي مضني لا يجب التقليل من اثره، ففي فكر السودان الجديد الذي طرحه الدكتور جون قرنق برز مصطلح “حكومة الجلابة” لأول مرة مع ظهور الحركة الشعبية ومنح منقستو هالي ماريام رئيس اثيوبيا ساعة زمن من بث إذاعة اديس أبابا لإعلام الحركة الشعبية، وقد ساهمت تلك الفقرة الاذاعية اليومية في انتشار مصطلح “حكومة الجلابة”.
اعتقد ان مصطلح “دولة 56” قد جمع جميع البيض الفاسد في سلة واحدة، وحدد مكمن الداء، بأن الأزمة الوطنية لم تعد منحصرة في فشل الاحزاب السياسية ولا الانقلابات العسكرية، بل يكمن الفشل في عظم دولة “56” ذاتها، وهي الدولة التي تشمل الأحزاب والمؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية والنقابات والفعاليات الثقافية والشعبية، كل هذه الجهات تدور وتلف في فلك هذه الدويلة الصفوية التي احتكرت حتى المعارضة السياسية، فالمعارضون منها والحاكمون كذلك ، أما المتمردون يوجدون خارج نطاق جغرافيتها بطبيعة الحال، فهي الدولة التي عرفت اخيراً بمثلث حمدي ودولة النهر والبحر، كنخب خالص من تطورات وتمظهراتها الممتدة منذ خروج البريطانيين من السودان، وهنا نقول (خروج) لأنهم لم يطردوا بمقاومة شعبية ولا بحركة تحرر وطني تمتلك القوة القاهرة المجبرة لهم لأن يذعنوا ويغادروا السودان كرهاً، وكونهم خرجوا طوعاً فهذا يؤكد عمالة الصفوة التي خلفت المستعمر وورثت عرشه من أبناء البلد الذين هيأ لهم الرجل الأبيض عملية الاحلال والإبدال عبر عملية هبوط ناعم منذ ما قبل مؤتمر الخريجين حتى تشكيل البرلمان الذي أعلن من داخله (استقلال) البلاد، فكيف لبلد يرزح تحت نير الاستعمار أن يكون له برلمان وحكومة (ديمقراطية) وشرعية؟، من هناك جاءت ظاهرة الشرعية المضروبة والخادعة التي ظلت ذات النخبة تطليها على عقول المهمشين .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.