في خضم الحرب التي أنهكت السودان، لا تمر أي إشارة إلى وجود تباينات داخل المؤسسة العسكرية مرور الكرام. ولذلك، فإن ما يُتداول عن وجود تأييد من بعض القوى السياسية للخطوات التي يُنسب إلى عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول شمس الدين الكباشي، في اتجاه الدفع نحو وقف الحرب، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل المشهد السياسي والعسكري في البلاد.
فالقضية لم تعد مجرد اختلاف في التكتيكات العسكرية، وإنما باتت تتعلق بالسؤال الأكبر: من يمتلك رؤية الخروج من الحرب، ومن لا يزال يعتقد أن الحسم العسكري وحده هو الطريق إلى المستقبل؟
يرى مراقبون أن أي حديث عن مسار سياسي داخل المؤسسة العسكرية يكتسب أهمية استثنائية، لأن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف، وأصبحت كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية أعلى من قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال. لذلك، فإن أي صوت يدعو إلى تغليب الحلول السياسية يلفت انتباه القوى المدنية التي تبحث عن نافذة لإنهاء الصراع.
وفي هذا السياق، تنظر بعض القوى السياسية إلى الكباشي باعتباره شخصية يمكن أن تلعب دوراً في إعادة توجيه البوصلة نحو التسوية السياسية، إذا ما اقترن ذلك بخطوات عملية تتجاوز التصريحات إلى بناء توافق وطني يفضي إلى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية.
لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع. فهناك من يرى أن الحديث عن وجود تيارات متباينة داخل القيادة العسكرية لا يزال بحاجة إلى ما يؤكده على مستوى القرارات والسياسات، لا على مستوى التكهنات أو التسريبات.
من أكثر الملفات إثارة للجدل ما يتردد عن رفض الكباشي لعودة الإسلاميين إلى واجهة السلطة، باعتبار أن التجربة السابقة وما أعقبها من استقطاب سياسي لا تساعد على بناء توافق وطني جديد.
وبالنسبة لعدد من القوى المدنية، فإن أي مشروع لإنهاء الحرب سيكون من الصعب تسويقه إذا ارتبط بإعادة إنتاج التحالفات التي حكمت السودان قبل سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير. فهذه القوى ترى أن الأزمة السودانية ليست عسكرية فقط، وإنما هي أيضاً أزمة تتعلق بطبيعة الدولة ومؤسساتها وعلاقتها بالسياسة.
في المقابل، يرى مؤيدو مشاركة التيار الإسلامي أن أي عملية سياسية تستبعد مكوناً سياسياً مؤثراً قد تواجه تحديات تتعلق بالشمول والتمثيل، بينما تعتبر أطراف أخرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لوقف الحرب وبناء توافق واسع، مع معالجة مسألة المشاركة السياسية عبر عملية انتقالية متفق عليها.
الملف الآخر الذي يثير نقاشاً واسعاً هو تسليح المقاومة الشعبية. فقد برز هذا الخيار خلال الحرب باعتباره وسيلة لتعزيز القدرات الدفاعية في بعض المناطق، لكنه في الوقت نفسه أثار مخاوف من اتساع رقعة السلاح خارج المؤسسات النظامية.
ويرى معارضو هذا النهج أن انتشار السلاح بين المدنيين قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني مستقبلاً، ويزيد من احتمالات النزاعات المحلية، ويصعب جهود بناء جيش مهني موحد بعد انتهاء الحرب.
ومن هذا المنطلق، فإن أي موقف يُنسب إلى رفض توسيع عمليات التسليح يُقرأ لدى البعض باعتباره دعوة إلى حصر القوة المسلحة داخل مؤسسات الدولة، باعتبارها الضامن للاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع. غير أن تقييم هذه المواقف يظل مرتبطاً بما يصدر رسمياً من سياسات وقرارات.
إذا صح أن هناك اتجاهاً داخل المؤسسة العسكرية يفضل إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية، فإن ذلك قد يعيد رسم التحالفات داخل المشهد السوداني. فالقوى السياسية التي ظلت تطالب بوقف القتال قد تجد نفسها أمام فرصة لإعادة فتح باب الحوار، بينما ستواجه القوى المتمسكة بخيار الحسم العسكري اختباراً جديداً.
غير أن نجاح أي تحول لن يتوقف على مواقف الأفراد، مهما كانت مواقعهم، بل على وجود إرادة مؤسسية قادرة على تحويل الرؤى إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وعلى قبول الأطراف المختلفة بتقديم تنازلات متبادلة من أجل مصلحة البلاد.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الانتصار العسكري وحده لم ينجح في إنهاء الأزمة، كما أن المبادرات السياسية التي تفتقر إلى الضمانات لم تتمكن من بناء الثقة. وبين هذا وذاك، يبقى السودان بحاجة إلى مشروع وطني يضع وقف الحرب فوق الحسابات السياسية الضيقة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ودستورية.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي ليس على بروز شخصية بعينها داخل المؤسسة العسكرية، وإنما على قدرة السودانيين، مدنيين وعسكريين، على الاتفاق حول صيغة تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية تتسع للجميع، بعيداً عن الإقصاء أو إعادة إنتاج أسباب الأزمة التي قادت البلاد إلى هذا المنعطف الخطير.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.