أعادت جماعة الإخوان المسلمين فتح بوابة السودان أمام إيران… وبوسع ترامب أن يغلقها

بقلم: خالد عمر يوسف

خلال الحرب العالمية الثانية، قال ونستون تشرشل: “إن الحقيقة ثمينة إلى حدٍّ يستوجب أن ترافقها دائماً حراسة من الأكاذيب.” وفي السودان، حجبت سنواتٌ من التضليل الإعلامي حقيقةً مركزية، مفادها أن جماعة الإخوان المسلمين أدّت دوراً حاسماً في إشعال الحرب الدائرة في البلاد. غير أن ثمة حقيقةً أكثر أهمية تستحق قدراً أكبر من الاهتمام.

 

فمشروع جماعة الإخوان المسلمين في السودان لا يقتصر على كونه صراعاً داخلياً على السلطة، بل هو مشروع أيديولوجي يتقاطع استراتيجياً مع الطموحات الإقليمية لإيران، ويعزّز مساعيها إلى توسيع نفوذها عبر البحر الأحمر والقارة الأفريقية.

 

وبالنسبة لطهران، يمثل السودان أهمية استراتيجية استثنائية؛ إذ يوفّر لها منفذاً إلى أفريقيا، وأكثر من 500 ميل من السواحل المطلة على البحر الأحمر، فضلاً عن موقع جغرافي يسمح بربط شبكة نفوذها الممتدة من العراق ولبنان إلى الحوثيين في اليمن. وقد أظهرت التهديدات الإيرانية الأخيرة بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب كيف يمكن للتحكم بالممرات البحرية الحيوية أن يتحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية. ومن شأن وجود حركة إسلامية حليفة تسيطر على السودان أن يعزز هذه الاستراتيجية بصورة كبيرة.

 

ولا تنبع أهمية السودان من موقعه الجغرافي وحده، بل أيضاً من كونه نقطة التقاء بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط ومنطقة الساحل، فضلاً عن امتلاكه احتياطيات ضخمة من الذهب والمعادن الاستراتيجية، وإمكانات زراعية هائلة. إلا أن البلاد، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انزلقت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد الملايين.

 

وغالباً ما تُصوَّر الحرب على أنها مجرد صراع بين جنرالين متنافسين، إلا أن هذا التفسير يغفل جذور الأزمة السياسية الأعمق في السودان. فبعد ثلاثة عقود من الحكم، تمكّنت جماعة الإخوان المسلمين من السيطرة على مؤسسات الدولة، وربطتها على نحو وثيق بإيران وبشبكات الإسلام السياسي العابرة للحدود، مع العمل بصورة منهجية على منع قيام نظام وطني جامع وشامل.

 

وتعود الشراكة بين طهران والإسلاميين في السودان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أقام الطرفان علاقات استراتيجية عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد استيلاء الإسلاميين على السلطة عام 1989، أعادوا تشكيل المؤسسات الأمنية السودانية على نمط النموذج الإيراني، وعززوا التعاون العسكري والاستخباراتي مع طهران. كما تحوّل السودان إلى مركز لنشاط الشبكات الإسلامية الدولية، واستضاف أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي. وأسهم هذا الواقع في إدراج السودان ضمن قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، كما أصبح جزءاً من البيئة التي هيأت لوقوع هجمات إرهابية كبرى استهدفت الولايات المتحدة، بما في ذلك تفجيرا سفارتيها في كينيا وتنزانيا، والهجوم على المدمرة الأمريكية USS Cole، وصولاً إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

 

وشكّلت ثورة ديسمبر 2019 نقطة تحول مفصلية أنهت هذا المسار. فقد شرعت الحكومة الانتقالية المدنية في تنفيذ إصلاحات ديمقراطية واقتصادية، وأبعدت السودان عن إرثه الإسلامي، وأعادت بناء العلاقات مع الولايات المتحدة، وانضمت إلى اتفاقيات أبراهام.

 

غير أن انقلاب أكتوبر 2021، الذي نفذه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أطاح بذلك المسار، وأعاد النفوذ الإسلامي إلى مؤسسات الدولة. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توسّع هذا النفوذ داخل المؤسسات الواقعة تحت سيطرة الجيش، بالتوازي مع استعادة العلاقات مع إيران بوتيرة متسارعة.

 

وتشير الأدلة إلى أن هذه العلاقة لم تعد تقتصر على التعاون الدبلوماسي. ففي أبريل الماضي، وجّهت السلطات الأمريكية اتهامات للمواطن الإيراني شميم مافي بالتوسط في صفقات أسلحة إيرانية تجاوزت قيمتها 70 مليون دولار لصالح الجيش السوداني، شملت طائرات مسيّرة من طراز مهاجر-6، وصواعق قنابل، ومعدات عسكرية أخرى مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

 

كما خلصت دراسة صادرة في يونيو عن Century International وبرنامج XCEPT البحثي إلى أن إيران أعادت بناء شراكتها مع الجيش السوداني عبر شبكات إسلامية، من خلال تزويده بطائرات مهاجر-6 المسيّرة، ودعم إنتاج الطائرات المسيّرة محلياً. وحذرت الدراسة من أن السودان قد يتحول إلى مركز لوجستي لشبكة إيران الإقليمية للطائرات المسيّرة، بينما تستفيد هذه الجماعات من العمل عبر مؤسسات دولة تحظى باعتراف دولي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.