ترس السودان… حين يدافع الشعب عن كرامته

بقلم: النور آدم سلمان

 

في الأوقات التي تتراجع فيها الدولة عن أداء واجباتها، يتقدم الشعب لملء الفراغ. وحين تصبح كرامة المواطنين بندًا مؤجلًا في أجندة السلطة، يتحول الدفاع عنها إلى مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة. ومن هذا المنطلق، يستحق أبناء ترس السودان كل التحية والتقدير على ما يرونه واجبًا في الدفاع عن حقوق السودانيين وصون موارد بلادهم، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول أداء الحكومة وقدرتها على حماية مصالح الوطن.

إن قضية الموارد الوطنية ليست مجرد ملف اقتصادي، بل هي عنوان للسيادة والكرامة. فلا يمكن لدولة تخوض حربًا مدمرة، ويعاني شعبها من النزوح والجوع والانهيار الاقتصادي، أن تتعامل مع ثرواتها وكأنها ملف ثانوي أو ورقة قابلة للمساومة. فالأوطان التي لا تحرس مواردها، تفتح الباب أمام استنزاف مستقبل أجيالها.

لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى الهجرة والنزوح، وكان لمصر نصيب كبير من موجات الفارين من جحيم القتال. ولا خلاف على أن استقبال اللاجئين في ظروف الأزمات مسؤولية إنسانية، لكن هذه المسؤولية يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل وصون الكرامة الإنسانية، وفق القوانين الدولية. وما شهدته السنوات الماضية من معاناة كثير من السودانيين، سواء في إجراءات الإقامة أو أوضاعهم المعيشية أو حالات الترحيل التي وثقتها منظمات حقوقية، ترك جرحًا عميقًا في وجدان السودانيين، وأثار تساؤلات مشروعة حول مدى قيام الحكومة السودانية بواجبها في الدفاع عن مواطنيها.

كان المنتظر أن تتخذ حكومة بورتسودان موقفًا أكثر صلابة في حماية حقوق السودانيين، وأن تستخدم كل أدواتها الدبلوماسية والقانونية لضمان معاملة تحفظ كرامة مواطنيها. لكن ما يراه كثيرون هو أن الحكومة اكتفت بالصمت أو بالمواقف الخجولة، بينما كان السودانيون يواجهون أوضاعًا قاسية فرضتها ظروف الحرب واللجوء.

والأكثر إثارة للقلق أن هذا الصمت جاء في وقت تتعاظم فيه أهمية الموارد السودانية بالنسبة للمنطقة. فالسودان ظل، عبر تاريخه، ركيزة اقتصادية بما يمتلكه من أراضٍ زراعية وثروات حيوانية ومعدنية وموقع جغرافي استراتيجي. وهذه الموارد يجب أن تكون في خدمة الشعب السوداني أولًا، وأن تُدار وفق رؤية تحقق المصالح الوطنية، لا أن تصبح موضع جدل أو شعور بأن السودان يقدم أكثر مما يحصل عليه.

إن الرسالة التي يبعث بها ترس السودان، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تعكس حالة من الإحساس الشعبي بأن حماية الموارد والكرامة الوطنية لم تعد تجد الاهتمام الكافي لدى مؤسسات الدولة. وهي رسالة تقول إن الشعب لن يقف متفرجًا إذا شعر بأن مصالحه الأساسية تُهمَّش أو تُدار دون شفافية ومساءلة.

ولا ينبغي أن تُقرأ هذه الرسالة باعتبارها خصومة مع دولة بعينها، فالعلاقات بين السودان وجيرانه ينبغي أن تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. لكن الاحترام لا يكتمل إلا حين تكون العلاقة متوازنة، وحين يشعر المواطن السوداني بأن دولته تقف خلفه، وتدافع عنه، وتحفظ حقوقه داخل الوطن وخارجه.

إن أي دعم سياسي أو اقتصادي تتلقاه الحكومات لا ينبغي أن يكون على حساب كرامة المواطنين أو مصالحهم العليا. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تقيس نجاح الحكومات بما تحصل عليه من تأييد خارجي، وإنما بما تحققه من صون للسيادة وحماية للإنسان وحسن إدارة للثروات.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها هي التي تفرض احترامها في نهاية المطاف. ومن هنا، فإن أبناء ترس السودان يقدمون نموذجًا لحراك شعبي يرى أن الدفاع عن الموارد الوطنية جزء من الدفاع عن الوطن نفسه، وأن الكرامة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في المواقف.

اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق. فإما أن تستعيد الدولة دورها الطبيعي في حماية مواطنيها وإدارة مواردها وفق رؤية وطنية مستقلة، وإما أن تتسع الفجوة بينها وبين الشارع الذي بات أكثر حساسية تجاه كل ما يمس سيادته وحقوقه.

التحية لكل صوت يطالب بأن يكون السودان أولًا، وأن تكون ثرواته لأبنائه، وأن تكون كرامة السوداني فوق كل اعتبار. والتحية لكل من يؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالتنازلات، وإنما بإرادة شعب يعرف قيمة أرضه وموارده وحقوقه. فالسودان، رغم جراح الحرب، سيظل قادرًا على النهوض متى ما توحد أبناؤه حول مشروع وطني يجعل الإنسان السوداني وكرامته وسيادة بلاده في مقدمة الأولويات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.