إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة (2)

مها الهادي طبيق

يجب أن نعلم بأن الدولة ليست الحكومة: لماذا أخفقت النخب السودانية في بناء الدولة؟ .
من أكبر الأخطاء التي طبعت الحياة السياسية في السودان الخلط بين السلطة والدولة. فمنذ الاستقلال، انشغلت القوى السياسية والعسكرية بالسؤال: من يحكم؟ بينما ظل السؤال الأكثر أهمية مؤجلًا: كيف تُحكم الدولة؟ هذه المفارقة تفسر جانبًا كبيرًا من الأزمة السودانية.
فالحكومات تعاقبت، والانقلابات تكررت، والانتفاضات الشعبية أسقطت أنظمة، والحركات المسلحة فرضت نفسها لاعبًا رئيسيًا، لكن الدولة بقيت هشة. كان الصراع يدور على السيطرة على مؤسسات الدولة، لا على إعادة بنائها.
الدولة ليست الحكومة، وليست الحزب، وليست الجيش، وليست الحركة المسلحة. الدولة هي منظومة من المؤسسات والقوانين والعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين المواطن والسلطة. أما الحكومة فهي إدارة مؤقتة لهذه الدولة، تتغير عبر الانتخابات أو الآليات الدستورية.
عندما تختزل الدولة في الحكومة، يصبح سقوط الحكومة وكأنه سقوط الدولة نفسها. وعندما تختزل الدولة في الجيش، تتحول المؤسسة العسكرية إلى فاعل سياسي. وعندما تختزل في حزب أو حركة، تصبح مؤسساتها أدوات للصراع بدلاً من أن تكون إطارًا جامعًا لجميع المواطنين. هذا الخلط لازم السودان منذ السنوات الأولى للاستقلال. فقد ورثت النخب جهازًا إداريًا ودولة مركزية دون أن تطور مشروعًا وطنيًا يجيب عن أسئلة الهوية، والعدالة، وتقاسم السلطة والثروة. ومع مرور الزمن، أصبحت الدولة ساحة تنافس بين النخب، بينما بقيت قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بأنها خارج معادلة الحكم. ومن هنا اكتسبت الحركات المسلحة شرعيتها لدى قطاعات من المواطنين.
فقد رأت تلك المجتمعات أن الدولة لا تمثلها، وأن مؤسساتها لا تعبر عن مصالحها. لكن انتقال الحركات المسلحة إلى السلطة لا يحل المشكلة تلقائيًا، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير من يدير الدولة، وإنما في تغيير طريقة إدارتها.
إن حكومة التأسيس، إذا أرادت أن تكون مشروعًا تاريخيًا لا مجرد سلطة انتقالية، مطالبة بإعادة تعريف الدولة نفسها. وهذا يعني بناء مؤسسات مستقلة عن الأحزاب، ومهنية لا تخضع للولاءات العسكرية أو الجهوية، وقادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات. وتبدأ هذه المهمة من الاعتراف بأن الدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بالتوافق. فلا يمكن لأي طرف، مهما امتلك من قوة عسكرية أو تأييد سياسي، أن يؤسس دولة مستقرة إذا شعر جزء من المجتمع بأنه مستبعد من المشروع الوطني. لقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن السلام المستدام يبدأ عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى مؤسسات للجميع، لا إلى أدوات بيد المنتصر. وعندما يشعر المواطن أن حقوقه يحميها القانون، لا ميزان القوة، تتراجع الحاجة إلى السلاح بوصفه وسيلة للمطالبة بالحقوق. إن الأزمة السودانية ليست أزمة أشخاص، ولا أزمة حكومات، بل أزمة دولة لم تُنجز مشروعها الوطني منذ الاستقلال. ولذلك فإن نجاح أي مشروع للتأسيس لن يقاس بعدد الوزارات التي تُشكَّل، ولا بالمناصب التي تُوزَّع، بل بقدرته على إنشاء مؤسسات تبقى بعد رحيل الحكومات، وتحمي الدولة من العودة إلى الحلقة نفسها.
فالسودان لا يحتاج إلى حكومة جديدة فقط، بل يحتاج إلى دولة جديدة؛ دولة لا تكون فيها السلطة غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة المواطن، وتحقيق العدالة، وترسيخ سيادة القانون. وعندما يصبح هذا هو معيار النجاح، ينتقل النقاش من الصراع على الحكم إلى بناء الوطن، وهو الانتقال الذي تأخر كثيرًا، لكنه لا يزال ممكنًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.