راتب المعلم تحت الصفر.. حين يلتهم الغلاء حلم صانع الأجيال

تقرير: عين الحقيقة

لم يكن نداء المعلم، الذي وجهه عبر مقطع فيديو متداول إلى وزير مالية حكومة بورتسودان د. جبريل إبراهيم، مجرد شكوى من ضعف الأجور، بل كان صرخة تختصر معاناة قطاع كامل يقف على حافة الانهيار.

حين قال إن راتبه لا يساوي ثمن أنبوبة غاز، لم يكن يتحدث عن رقم في كشف المرتبات، وإنما عن واقع معيشي قاسٍ يضع آلاف المعلمين أمام سؤال مؤلم: كيف لمن يحمل مسؤولية تعليم أبناء السودان وبناء وعيهم أن يعجز عن توفير أبسط احتياجات أسرته؟

في ظل موجة الغلاء غير المسبوقة التي اجتاحت الأسواق السودانية، فقدت الرواتب قدرتها على مواكبة متطلبات الحياة اليومية. وأصبح المعلم أمام خيارات صعبة؛ فإذا أنفق راتبه على شراء أنبوبة غاز، فماذا يتبقى للخبز والدقيق والسكر والملح؟ وإذا اضطر إلى استبدال الغاز بالفحم لتقليل المصروفات، فكيف يؤمّن بقية احتياجات أسرته الأساسية؟

الأزمة لا تتوقف عند الغذاء والطاقة، بل تمتد إلى السكن والعلاج والمواصلات. فالمعلم الذي لا يملك منزلاً خاصاً يجد نفسه أمام عبء إيجار شهري يلتهم جزءاً كبيراً من دخله المحدود، لتتحول أيام الشهر إلى معركة مستمرة بين راتب ينفد سريعاً ومتطلبات لا تنتهي.

ورغم هذه الضغوط، يواصل المعلم أداء رسالته داخل الفصول، حاملاً مسؤولية بناء الإنسان وتشكيل وعي الأجيال القادمة. فهو لا يؤدي وظيفة عادية يمكن اختزالها في ساعات عمل، بل يشارك في صناعة مستقبل مجتمع بأكمله. غير أن المفارقة المؤلمة أن من يُطلب منه بناء العقول أصبح هو نفسه يبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

في تجارب الدول التي نجحت في تحقيق التنمية، لم يكن المعلم مجرد موظف حكومي، بل كان محوراً رئيسياً في مشروع النهضة. فبناء الإنسان كان دائماً مقدمة لبناء الاقتصاد، وتطوير التعليم مدخلاً لإصلاح الدولة. ولذلك فإن تقدم الأمم لا يُقاس فقط بما تمتلكه من قوة عسكرية أو نفوذ سياسي، بل بما تمنحه للعلم والمعرفة ولمن يحملون مسؤولية صناعتها.

أما في السودان، فقد ظل قطاع التعليم لعقود يعاني من التراجع وضعف الاهتمام، بينما توسعت مساحات الإنفاق والاهتمام بمؤسسات القوة على حساب مؤسسات التنمية. وكانت النتيجة اختلالاً واضحاً في سلم الأولويات، أصبح معه المعلم في موقع لا يتناسب مع حجم دوره الوطني.

إن أزمة راتب المعلم ليست مجرد خلل في هيكل الأجور، بل تعكس أزمة أعمق في رؤية الدولة لوظيفتها وأولوياتها. فالدولة التي تريد الخروج من دائرة الفقر والصراعات لا يمكن أن تهمل التعليم، ولا أن تضع من يصنعون المستقبل في ذيل قائمة الاهتمام.

فالحديث عن تحسين أوضاع المعلمين ليس مطلباً مهنياً لفئة محددة، بل قضية تمس مستقبل السودان بأكمله. فالمعلم الذي يعيش تحت ضغط العجز الاقتصادي يصعب أن يمنح كامل طاقته لرسالته، والمجتمع الذي يهمل من يصنع أجياله يدفع الثمن لاحقاً في صورة تراجع في المعرفة والإنتاج والاستقرار.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن لمعلم يواجه أزمة المعيشة كل يوم أن يحمل رسالة العلم، وأن يزرع الأمل في نفوس الطلاب، بينما يكافح لتوفير احتياجات أسرته الأساسية؟

إن إصلاح وضع المعلم ليس بنداً ثانوياً في الموازنة، بل استثمار في مستقبل الدولة نفسها. فالجيوش قد تحمي الحدود، والسياسة قد تدير الخلافات، لكن المعلم هو من يصنع المواطن القادر على بناء الوطن.

في واقع الأمر، فإن معيار تقدم الدول لا يكمن فقط في قوة السلاح أو حجم النفوذ السياسي، وإنما في قيمة الإنسان الذي تصنعه مدارسها ومؤسساتها التعليمية. وعندما يصبح راتب المعلم أقل من تكلفة أنبوبة غاز، فإن القضية لا تعود مجرد أزمة راتب، بل تصبح سؤالاً مفتوحاً عن مستقبل بلد كامل.

حين يعجز المعلم عن توفير ضروريات حياته، فإن الخلل لا يكون في الراتب وحده، بل في ترتيب قيم الدولة وأولوياتها. فالأمم لا تنهض بالبندقية وحدها، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما بعقول تُصنع في مدارس يحظى فيها المعلم بالاحترام والكرامة التي يستحقها. فهل يدرك السودان خطورة إفقار من يصنعون مستقبله؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.