طبشورة مكسورة وبندقية مشهرة.. كيف خسر السودان معلمه؟

تقرير: عين الحقيقة

«قم للمعلم وفّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولاً»..

بيتٌ شعري ظل لعقود عنواناً لمكانة المعلم في الوجدان السوداني، لكنه اليوم يبدو بعيداً عن واقع رجل التعليم الذي يكافح للبقاء في بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات الاقتصادية والإنسانية.

منذ اندلاع الحرب في البلاد، وجد المعلم نفسه في قلب العاصفة؛ لا يحمل بندقية، ولا يجلس في غرف العمليات العسكرية، لكنه يدفع ثمناً باهظاً لحرب لم يخترها. مدارس مغلقة، ونزوح جماعي، ومرتبات فقدت قيمتها، وأسر تنتظر من ربها الذي يحمل رسالة التعليم أن يوفر لها الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة المعاناة، ويواجه ملايين السودانيين خطر الجوع والفقر والتشرد، أصبح راتب المعلم رمزاً لأزمة أعمق من مجرد ضعف الأجور؛ إنها أزمة دولة تبدو عاجزة عن حماية أهم مؤسساتها المدنية.

فالمعلم الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في بناء المستقبل، بات يبحث عن قوت يومه، ويقف أمام سؤال قاسٍ: كيف يمكن لمن يعجز عن تأمين احتياجات أسرته أن يواصل صناعة أجيال الغد؟

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الحرب التي استنزفت موارد البلاد لم توقف الإنفاق على الجوانب العسكرية والأمنية. ففي الوقت الذي تعاني فيه قطاعات التعليم والصحة والخدمات من الانهيار، تنشغل السلطة في بورتسودان، بحسب منتقديها، بتوسيع دائرة التعبئة العسكرية وتشكيل مجموعات مسلحة جديدة لمواجهة قوات الدعم السريع، في معركة عنوانها المعلن استعادة السيطرة، بينما يرى معارضون أنها ترتبط أيضاً بصراع على السلطة وتثبيت نفوذ قيادة الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بدعم من تيارات سياسية أبرزها الحركة الإسلامية.

هذا التناقض بين أولوية الحرب وأولوية بناء الإنسان يطرح سؤالاً جوهرياً: أي مستقبل يمكن أن يُبنى فوق أنقاض التعليم؟ فالدول لا تنهار فقط عندما تُهزم جيوشها، بل عندما يفقد المعلم قدرته على أداء دوره، وعندما يصبح الطالب ضحية لظروف الحرب والفقر والنزوح.

لقد تحولت المدارس في مناطق واسعة إلى ملاجئ للنازحين، أو توقفت تماماً عن العمل، فيما اضطر آلاف المعلمين إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان. وفي مناطق أخرى، يحاول بعض المعلمين الاستمرار رغم انعدام الإمكانيات، مدفوعين بإحساس بالمسؤولية الوطنية أكثر من أي حافز مادي.

لكن استمرار هذا الوضع يهدد بخلق جيل كامل محروم من التعليم. فالحرب لا تقتل الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل أيضاً. وكل يوم يمر دون عودة مستقرة للتعليم يعني مزيداً من الفاقد التعليمي، واتساعاً للفجوة بين الأطفال السودانيين، وارتفاعاً لمخاطر الاستغلال والتجنيد والانخراط في دوائر العنف.

إن قضية المعلم ليست مطلباً نقابياً أو شأناً قطاعياً محدوداً، بل قضية أمن قومي حقيقية. فالجيوش قد تحمي الحدود، لكن المدارس تحمي هوية المجتمع ومستقبله. والاستثمار في التعليم ليس ترفاً في زمن الحرب، بل أحد شروط الخروج منها.

ويرى معلمٌ فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» أن أي مشروع سياسي لإنهاء الأزمة السودانية لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل إعادة بناء المؤسسات المدنية، وفي مقدمتها التعليم. فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق يوقف إطلاق النار، بل يحتاج إلى رؤية تعيد الاعتبار للإنسان الذي دفع ثمن الصراع.

وبينما تتزاحم البنادق في الميدان، يبقى المعلم واقفاً في صفوف الانتظار، يحمل طبشوراً بدلاً من السلاح، وكتاباً بدلاً من المتاريس. لكنه ينتظر وطناً يعترف بأن بناء العقول لا يقل أهمية عن حسم المعارك.

فـ«قم للمعلم» لم تعد مجرد قصيدة تُردد في المناسبات، بل أصبحت نداءً لإنقاذ مؤسسة تتهاوى بصمت، وإنقاذ وطن لا يمكن أن ينهض إلا حين يُكرّم من يصنعون نهضته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.