البرهان يسعى لإعطاء الجيش الشرعية للاستمرار في الحكم بدعم من الحركة الإسلامية المتشددة من تنظيمات جماعة الاخوان المسلمين الارهابية ما بعد انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ م

بابكر فيصل بابكر

 

دخلت الحرب عامها الرابع مجسدة الكارثة الإنسانية الأسوأ في العالم اليوم. وبينما يبدو جلياً تباطؤ خطوات الرباعية الدولية (أميركا, السعودية, الإمارات, مصر) في إنفاذ خارطة الطريق التي طرحتها لوقف الحرب, بدأت الآلية الخماسية التي أوكلت لها الرباعية مهمة تسهيل العملية السياسية أولى خطواتها بدعوة مختلف القوى المدنية والسياسية لإجتماع تشاوري عُقد في العاصمة الأثيوبية في الفترة من 3-5 من يونيو الجاري.

وفي الوقت الذي توافقت فيه غالبية القوى المدنية والسياسية على ضرورة عزل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وواجهاتهما المختلفة من العملية السياسية, برزت بعض الأصوات الداعية لعدم إستثنائهم من العملية السياسية وضرورة إشراكهم في الحوار السوداني الشامل.

يُحذر دعاة إشراك الحركة الإسلامية في الحوار من أن إقصائها سيمنع وقف الحرب ويستحضرون في إدعائهم تجربة جنوب إفريقيا وما حدث فيها من حوار لم يستثن حزب الأقلية البيضاء التي شيَّدت نظام الفصل العنصري “الأبارتايد” الذي إستمر لحوالى نصف قرن.

وبينما لا تخلو هذه الحجة من وجاهة نظرية إلا أنها تنبني على تشخيص خاطيء من حيث المثال الذي تم إستخدامه, ذلك لأن حقيقة نظام الأبارتايد في وقت التغيير تختلف عن طبيعة التكوين الفكري والممارسة العملية للحركة الإسلامية في جميع مراحل تكوينها منذ النشأة وحتى لحظة سقوط نظامها الحاكم واشعالها الحرب الحالية.

قد أقرَّ نظام الفصل العنصري ورأسه, فردريك دي كليرك, بفشل نظام الأقلية البيضاء ووصوله نقطة النهاية فقرروا بشجاعة كبيرة أن يقبلوا “بتفكيك النظام” وينصاعوا لإستحقاق الإندماج في النظام المستقبلي لجنوب إفريقيا حتى يصبحوا جزءً منه وأن لا يكون لديهم أية إمتياز, وهو الأمر الذي جعل قيادة حزب المؤتمر الإفريقي وزعيمه نيلسون مانديلا يمدون أياديهم لديكليرك ورفاقه من أجل تحقيق الإنتقال الآمن والسلس.

هذه الحالة لا تنطبق على الحركة الإسلامية التي رفضت وما تزال ترفض القبول بتفكيك نظامها وإزاحة وجودها الكبير داخل المنظومة الأمنية والعسكرية (الجيش, المخابرات, الشرطة) فضلاً عن مقاومتها الشديدة لإزالة تمكين منظومتها داخل الخدمة المدنية والوزارات ومختلف أجهزة الدولة خاصة القضاء والنيابة العامة وإستمرارها في تسليح و تقوية وتضخيم أعداد مليشياتها الحربية المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

إن التجربة الشبيهة والتي يمكن مقارنتها بتجربة الحركة الإسلامية هى التجربة الأوكرانية بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي, حيث ورثت أوكرانيا دولةً عميقة تغلغل الحزب الشيوعي والأجهزة السوفيتية في كل مفاصلها, وقد جرَّبت الدولة المستقلة المصالحة مع الحزب الشيوعي لحوالى عشر سنوات وكانت المحصلة الفشل ورفض الأخير كل أشكال الحلول المطروحة.

نتيجةً لتعنت الحزب الشيوعي ورفضه تفكيك دولته العميقة, أصبحت أوكرانيا المستقلة دولةً مخترقة من الداخل, وباتت سياستها الخارجية مستباحة ومتحكم فيها من قبل روسيا, بينما إستمر إقتصادها يخدم شبكات النفوذ القديمة, حتى إندلعت “الثورة البرتقالية” لتدشن فصلاً جديداً من فصول الحكم تم فرضه بثمن باهظ, وبعد نجاح الثورة تطورت الأحداث السياسية بصورة كبيرة إلى أن تم حل الحزب الشيوعي وحظر نشاطه رسمياً ومصادرة أصوله ومنعه من المشاركة في الانتخابات.

قد سلكت الحركة الإسلامية نفس سلوك الحزب الشيوعي في أوكرانيا, حيث سعت لعرقلة وإجهاض الإنتقال المدني الديمقراطي في أعقاب الثورة عبر تفعيل أذرع الدولة العميقة وشبكاتها الأمنية والعسكرية والقضائية والإقتصادية, ذلك على الرغم من أن الثورة لم تتخذ أية إجراءات إنتقامية ضد رموز النظام ولم تنصب لقادته المشانق أو تعاقب عضويته بالتصفيات الجسدية, وكانت المحصلة النهائية هى قيام الحركة بإنقلاب عسكري في أكتوبر 2021 وإشعال الحرب في 15 أبريل 2023.

التشخيص الصحيح والسؤال الذي يتطلب الرد هو : هل تقبل الحركة الإسلامية بتفكيك دولتها العميقة لصالح دولة الوطن حتى تصبح جزءً من سودان المستقبل بتخليها عن أية إمتياز أو عصا عسكرية غليظة أو نفوذ في هياكل الحكم يمكنها من إستعادة دولتها بالقوة أو التزوير في أية إنتخابات عامة قادمة؟

عبء الإجابة على هذا السؤال لا يقع على القوى المدنية والسياسية بل على الحركة الإسلامية ومن يناصرها ويدعو لإدماجها في العملية السياسية, وبالتالي فإن الكرة الآن في ملعبهم, وهم وحدهم الذين يجب عليهم تقرير مصيرهم ومستقبلهم وليس القوى السياسية أو المجتمع الإقليمي والدولي, أما الشعب السوداني الذي أدمنوا سرقة لسانه وصوته فقد قال كلمته فيهم و خرج في ثورة عارمة أسقطت نظامهم الفاشي في أبريل 2019.

كذلك يستخدم دعاة إشراك الحركة الإسلامية في العملية السياسية حُجة واهية في دفاعهم عن دعوتهم ويقولون أنه لا يجب وضع “شروط” قبل الدخول في الحوار مع الحركة, ويتناسون أن تفكيك النظام ودولته العميقة لا يمثل شرطاً بل هو “حق طبيعي” للشعب السوداني وللدولة المدنية الديمقراطية التي لا يمكن أن يُشيَّد بناؤها دون مهنية وقومية الأجهزة الأمنية والعسكرية وحياد الخدمة المدنية وإستقلال القضاء,وهى بالتالي ليست شرطاً بل “إستحقاق” غير قابل للتفاوض والمساومة والتنازل.

بالإضافة إلى ذلك فإن حُجج المدافعين عن إشراك الحركة الإسلامية في العملية السياسية لا تخلو من سذاجة, إذ أنهم يدَّعُون أن القوى السياسية والمدنية ترفض إنخراط الحركة في الحوار لأن تلك القوى لا تملك قواعد جماهيرية حقيقية ولذلك فهى تخشى من خوض الإنتخابات في مواجهتها, وتسعى لإطالة الإنتقال من أجل البقاء في السلطة.

تتبدى سذاجة هذا الإدعاء من حقيقة أن الحركة الإسلامية لم تحكم البلاد عبر صندوق الإنتخابات منذ نشأتها, بل وصلت للسلطة عبر الإنقلاب العسكري فقط, ولذلك فهى تعارض بشدة أية محاولة “لتسوية ملعب الإنتخابات” عبر تجريدها من إمتياز السيطرة على القوة العسكرية وبيروقراطية الدولة والجهاز القضائي, ذلك لأنها أتقنت فن تزوير الإنتخابات وقطع الطريق أمام نتائجها بقوة السلاح.

الحركة الإسلامية عاجزة عن القبول بفكرة التخلي عن الدولة العميقة والإندماج في سودان ما بعد الحرب لأن ذلك يتعارض مع منطلقاتها الفكرية الأساسية التي تنبني على الإعتقاد الجازم بإمتلاك “الحقيقة المطلقة” والتمثيل الحصري للدين, وهو ما يجعلها تنزع دوماً نحو الهيمنة والسيطرة والإستئثار والإكراه وترفض المشاركة والتعايش والإندماج مع الآخرين الذين تنظر إليهم كأعداء وجوديين وليس شركاء في الوطن.

هذه الفكرة الخطيرة, إمتلاك الحقيقة المطلقة, تمثل البذرة والنواة الطبيعية لأية حركة إستبدادية و نظام فاشي, ولا يُجدى التعامل معها بمنطق الحوار والإحتواء والإدماج, وعلينا أن نتخيل كيف سيكون مصير العالم اليوم لو أن الحلفاء وأوربا تعاملوا مع هتلر وحزبه النازي بهذا المنطق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟

لن تستطيع الحركة الإسلامية التحول لتنظيم سياسي طبيعي إذا لم تقم بمراجعة جذرية وشاملة لمبادئها وأفكارها الأساسية, وكذلك إجراء تقييم حقيقي لتجربة حكمها الإستبدادي الفاسد التي إستمرت لثلاثة عقود, والإعتذار للشعب السوداني, دون مواربة, عن الأخطاء و الخراب و الإنتهاكات و الفظائع التي إرتكبتها طوال سنوات حكمها فضلاً عن القبول غير المشروط بتفكيك دولتها العميقة لصالح دولة الوطن بأكمله.

– بينما كان مندوب حكومة الأمر الواقع (بورتسودان) يناكف المبعوث الأمريكي في جلسة مجلس الأمن حول السودان ويحاول نفي حديثه بأن “مجلس السيادة” يعرقل كل محاولات التوصل للهدنة الإنسانية بقوله أنهم ظلوا يتعاونون مع أمريكا حتى صباح اليوم (الجمعة 25 يونيو) عندما أرسل قائد الجيش رسالة “واتساب” للمبعوث حول موقفهم من جداول الإنسحابات المتبادلة, كان الأخير يتحدث للمصلين في مسيد الشيخ أبوقرون مؤكداً أن الحرب لن تتوقف إلا بهزيمة الدعم السريع وتفكيك قواته.

– التناقض بين كلام المندوب وحديث قائد الجيش, يكشف بوضوح سياسة المماطلة و “كسب الوقت” التي ظل يتعامل بها الأخير مع مبادرة الرباعية, بحيث يُظهر تعاونه معها شكلياً بينما هو يمضي في خطة إستمرار الحرب حتى سحق الدعم السريع. قال في حديثه للمصلين “الحرب دي بتنتهي بنصر عسكري” ونحن “حنفاوض عشان نفكك هذه الميليشيا ونشيل منها السلاح ونحاسب الزول المجرم فيها”,مما يعني أنه لن يقبل بشيء سوى تفاوض “إستسلام” بعد أن يُحقق النصر الساحق على الأرض.

– يُعضد هذا الموقف, حديث رئيس هيئة أركان الجيش الذي خاطب به ضباط وجنود سلاح المدرعات يوم 28 يونيو حيث قال ” لدينا من الخطط والتجهيزات ما سنحسم به الحرب ونقضي به على المليشيا المتمردة، وقريباً سنطهر كردفان بالكامل وتنتقل المعركة قريبا إلى عمق دارفور”. نعم هو نفس الشخص الذي قال قبل ثلاثة أعوام أن الحرب ستنتهي خلال “إسبوع أو إسبوعين” !

– حديث قادة الجيش حول الحسم العسكري يتعارض مع الموقف الذي ظلت تعبر عنه القوى المدنية منذ إندلاع الحرب بقولها أنه لا يوجد حل عسكري, وهو الموقف الذي عبرت عنه الدول الأعضاء في مجلس الأمن والرباعية بمن فيها تلك التي تساند الجيش, وهو أيضاً الموقف الذي أثبتت الأيام صحته والحرب قد دخلت عامها الرابع منذ أكثر من شهرين.

– أيضاً تعرض قائد الجيش في حديثه بمسيد الشيخ أبوقرون لقضية الإصلاح الأمني والعسكري, وقال ” بنقول للسياسيين اللي بتكلموا عن تفكيك القوات أو إصلاح القوات هذا ليس شأنكم”. الغريب أن قائد الجيش ينفي أن يكون الإصلاح العسكري شأناً يخص السياسيين بينما هو يتدخل في شؤون السياسيين بقوة السلاح ويحكم البلاد بفوهة البندقية منذ أكثر من خمس سنوات, فتأمل!

– ظللنا نحذر منذ اليوم الأول لإندلاع الحرب ونقول أن أكبر خطر على المواطن والبلاد هو إستمرارها, وهاهو السودان الآن يقف على شفير هاوية التقسيم والتفتيت, بينما أرواح المواطنين يحصدها الرصاص والمرض والغبن, وغول الفساد وغلاء الأسعار والحرمان يفتك بالناس الذين ضاقت بهم الأرض واستوت عندهم الحياة والموت. لعن الله الحرب وحفظ الله السودان …

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.