كلما اشتدت الحرب في السودان، خرجت مبادرة جديدة تحمل عنواناً مختلفاً، ووسيطاً جديداً، ومنصة تفاوض أخرى. وبين جدة، وجنيف، والمنامة، وأديس أبابا، والقاهرة، وأنقرة، وغيرها من العواصم، ظل السودانيون ينتظرون نهاية الحرب، لكن ما انتهى فعلياً هو صبر الناس، بينما بقيت الحرب أكثر حضوراً واتساعاً.
المفارقة أن كثرة المبادرات، التي يفترض أن تكون مؤشراً على اهتمام المجتمعين الإقليمي والدولي بإيقاف النزاع، أصبحت في نظر كثير من السودانيين جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل. فكل مبادرة تبدأ بضجيج إعلامي كبير، ثم تدخل في تفاصيل الخلافات السياسية، قبل أن تنتهي إلى بيان ختامي يترك الحرب أكثر اشتعالاً مما كانت عليه.
لقد تحولت المبادرات إلى سباق بين الوسطاء أكثر من كونها سباقاً لإنقاذ السودان. فلكل دولة رؤيتها، ولكل منظمة أولوياتها، ولكل منصة أجندتها السياسية، بينما يغيب التنسيق الحقيقي الذي يمكن أن يجمع هذه الجهود في مسار واحد ذي أهداف واضحة وجدول زمني ملزم.
وفي ظل هذا التشتت، وجدت أطراف الحرب مساحة واسعة للمناورة. فعندما يتعثر مسار تفاوضي، يظهر مسار آخر، وعندما تتعثر وساطة، تبدأ وساطة جديدة، لتصبح المفاوضات نفسها جزءاً من إدارة الصراع، بدلاً من أن تكون وسيلة لإنهائه.
المؤلم أن ضحايا هذا التنافس الدبلوماسي ليسوا الوسطاء ولا السياسيين، وإنما المدنيون الذين يسقطون كل يوم بين قتيل وجريح، وملايين النازحين الذين ينتظرون قراراً بوقف إطلاق النار لا مؤتمراً جديداً أو بياناً آخر يدعو إلى “ضبط النفس”.
والمشكلة الأكبر لا تكمن في تعدد المبادرات وحده، وإنما في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى أطراف النزاع لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. فقد شهدت الأزمة السودانية أكثر من إعلان لوقف إطلاق النار، وأكثر من تفاهم إنساني، لكن معظمها انهار سريعاً، لأن آليات التنفيذ والرقابة والمساءلة بقيت ضعيفة أو غائبة.
ومن هنا، يصبح السؤال المشروع: هل يحتاج السودان إلى مبادرة جديدة، أم إلى تنفيذ المبادرات التي سبق الاتفاق عليها؟
إن السلام لا يصنعه عدد الوسطاء، ولا كثرة الاجتماعات، وإنما يصنعه وجود التزام سياسي واضح، وضغوط دولية متوازنة، وآليات رقابة قادرة على محاسبة من يخرق الاتفاقات.
كما أن المجتمع الدولي يتحمل جزءاً من مسؤولية هذا المشهد، إذ بدا في أحيان كثيرة منقسماً بين مسارات متعددة، لكل منها داعمون ورعاة، الأمر الذي أضعف الرسالة الدولية الموحدة تجاه أطراف الحرب، وأتاح استمرار الرهان على الحسم العسكري أو كسب الوقت.
أما القوى السياسية السودانية، فلم تنجح هي الأخرى في تقديم رؤية وطنية موحدة تفرض نفسها على طاولات التفاوض، بل دخلت في كثير من الأحيان في استقطابات وتحالفات متنافسة، الأمر الذي أضعف قدرتها على التأثير في مسار التسوية.
وبين المبادرات المتعددة، والوساطات المتنافسة، والانقسامات الداخلية، ظل المواطن السوداني يدفع الفاتورة وحده. مدن مدمرة، ومستشفيات مغلقة، ومدارس تحولت إلى مراكز إيواء، واقتصاد ينهار، وأجيال كاملة تكبر في ظل الحرب.
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط استمرار القتال، بل تحول الحرب إلى واقع اعتيادي يتعايش معه العالم. وكل يوم تتأخر فيه تسوية جادة، يعني مزيداً من الأرواح التي تُفقد، ومزيداً من الأسر التي تُشرد، ومزيداً من الفرص التي تضيع لإعادة بناء السودان.
إن السودان لا يحتاج إلى منصة تفاوض جديدة بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي شجاع يضع حياة المدنيين فوق الحسابات العسكرية والمصالح الإقليمية. فالمبادرات التي لا تفضي إلى نتائج ملموسة قد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى غطاء يطيل أمد الحرب، بينما يواصل السودانيون دفع الثمن دماً ونزوحاً ومعاناة.
ولعل المأساة الأكبر أن التاريخ لا يتذكر عدد المبادرات التي أُطلقت، بل يتذكر فقط كم روحاً أُزهقت بينما كان الجميع يتحدث عن السلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.