كلما امتدت الحرب في السودان، ازداد السؤال إلحاحاً: هل ما زالت داخل المؤسسة العسكرية أصوات ترى أن إنقاذ الوطن مقدم على استمرار المعركة؟ وهل بقي بين كبار الضباط من يستطيع أن يقول إن الحرب، مهما كانت مبرراتها، لم تعد تحقق سوى مزيد من الدمار والانقسام؟
إن التاريخ العسكري، في السودان كما في غيره، لا يخلد فقط أولئك الذين انتصروا في ساحات القتال، بل يخلد أيضاً الضباط الذين امتلكوا شجاعة اتخاذ القرار الصعب عندما أدركوا أن استمرار الحرب يعني خسارة الوطن نفسه.
المؤسسة العسكرية السودانية لم تكن يوماً جسداً واحداً في الرؤى السياسية، رغم وحدتها التنظيمية. فقد عرفت عبر تاريخها ضباطاً انحازوا إلى الدولة قبل السلطة، وإلى الوطن قبل الحسابات السياسية، وآمنوا بأن دور الجيش هو حماية البلاد لا إدارة الصراعات السياسية إلى ما لا نهاية.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، تبدو البلاد وكأنها تدفع أثماناً تتجاوز قدرة أي دولة على الاحتمال. مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد يترنح، ومؤسسات تكاد تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال موجهاً إلى القيادات العسكرية قبل غيرها: هل هناك من يملك الجرأة لإعادة تعريف مفهوم الانتصار؟
فالانتصار الحقيقي لم يعد يقاس بمساحة تسيطر عليها القوات أو مدينة تستعاد، وإنما بقدرة الدولة على البقاء موحدة، وبقدرة المواطنين على العودة إلى بيوتهم، وباستعادة الجيش لدوره المهني بعيداً عن استنزاف حرب طويلة.
وفي هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية تحليلات تربط بين الفريق أول شمس الدين الكباشي وبين اتجاه داخل المؤسسة العسكرية يُنظر إليه من قبل بعض المراقبين على أنه أكثر ميلاً إلى تغليب الحلول السياسية ووقف الحرب. إلا أن هذه القراءات تبقى محل نقاش، ولا يمكن الجزم بها ما لم تترجم إلى مواقف وسياسات معلنة.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الفرضية يعكس حقيقة مهمة، وهي أن قطاعات واسعة من السودانيين باتت تبحث عن شخصية قادرة على فتح نافذة للحل من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، لا من خارجها.
فهل يستطيع الكباشي أن يؤدي هذا الدور؟
الإجابة ليست سهلة، لأن القرار داخل أي مؤسسة عسكرية لا يصنعه فرد واحد، بل تحكمه اعتبارات مؤسسية وسياسية وأمنية معقدة. لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن المبادرات الكبرى كثيراً ما بدأت بمواقف شجاعة اتخذها أفراد أدركوا أن استمرار الحرب لم يعد يخدم المصلحة الوطنية.
إن أي قائد عسكري ينجح في الدفع نحو وقف الحرب، والحفاظ على وحدة القوات المسلحة، وفتح الطريق أمام عملية سياسية، سيكتب اسمه في تاريخ السودان باعتباره رجل دولة، لا مجرد قائد ميداني.
وليس المطلوب أن ينتصر طرف على آخر، بل أن ينتصر السودان على الحرب.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن الحسم العسكري الكامل لا يزال بعيد المنال، وأن كلفة استمرار القتال تتزايد على الجميع. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق كل القيادات العسكرية، في أن تعيد النظر في الخيارات المطروحة، وأن تضع مستقبل الدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
ولا يقل دور الضباط المهنيين أهمية في هذه المرحلة. فالمؤسسات العسكرية لا تقوم فقط على التسلسل القيادي، وإنما أيضاً على تقاليد مهنية تجعل الحفاظ على الدولة واستقرارها الهدف الأعلى. وإذا كان بين صفوف القوات المسلحة ضباط يرون أن الوقت قد حان لإيقاف الحرب، فإن التاريخ قد يمنحهم فرصة لا تتكرر لإثبات أن الانحياز للوطن لا يتعارض مع الوفاء للمؤسسة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق بقدر حاجته إلى مزيد من الحكمة. ولا يحتاج إلى انتصارات إعلامية، بل إلى قرار شجاع يوقف نزيف الدم، ويحفظ ما تبقى من مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل من يملك القرار داخل المؤسسة العسكرية: أليس فيكم رجل رشيد؟
قد يكون هذا الرجل قائداً معروفاً، وقد يكون ضابطاً لا يعرفه الرأي العام بعد، لكن ما ينتظره السودانيون ليس اسماً بعينه، وإنما موقف تاريخي يعيد البوصلة من ساحات القتال إلى طاولة السلام، ومن منطق الغلبة إلى منطق إنقاذ الوطن قبل أن يصبح الوقت متأخراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.