بيان الخارجية.. فضيحة دبلوماسية… حكومة بورتسودان تخلط بين الاختصاصات: هل الولايات المتحدة مسؤولة عن التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية؟
أواب عزام البوشي
ما صرحت به الخارجية أمس:-
في بيان لها أمس، زعمت وزارة خارجية حكومة بورتسودان أنها ظلت لأكثر من عام منخرطة في “آلية ثنائية مشتركة” مع واشنطن لبحث مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، واستغربت إنكار واشنطن لذلك.
كما ادعت أنها تقدمت بطلب لإرسال وفد من الخبراء الأمريكيين إلى السودان للتحقق الميداني، وأن واشنطن رفضت الطلب، وجددت التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
الموقف الثابت لبورتسودان: رفض مطلق لأي تحقيق دولي:-
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن حكومة بورتسودان ظلت طوال الأشهر الماضية ترفض رفضاً قاطعاً أي تحقيق دولي في هذا الملف.
ففي كل بياناتها السابقة، كانت تعلن أن اللجنة الوطنية التي شكلتها بنفسها هي المرجعية الوحيدة والكافية، وتعتبر أي تدخل خارجي مساساً بالسيادة الوطنية.
وحتى في مؤتمر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، طرحت حكومة بورتسودان تقريراً أولياً للجنتها الوطنية، في محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأن تحقيقاتها الداخلية كافية، بينما رفضت أي دور حقيقي للمنظمة أو أي لجنة تقصي خارجية.
الأدهى أن البيان الحالي يتحدث عن “آلية ثنائية” مع واشنطن استمرت لأكثر من عام، دون أن يكون هناك أي إشارة سابقة إلى وجود مثل هذه الآلية في أي من تصريحات الحكومة أو تقاريرها الرسمية.
وهذا الصمت المطبق، ثم إخراج هذه الرواية فجأة في بيان دفاعي، يؤكد أن هذا الادعاء لا يعدو كونه محض كذب، ومحاولة مكشوفة لخلق انطباع زائف بالتعاون لم يحدث أبداً.
خلط الاختصاصات: منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي المخولة وليس واشنطن:-
الحقيقة الأكثر وضوحاً، أن الجهة المخولة قانونياً بالتحقق من استخدام الأسلحة الكيميائية هي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وليست واشنطن.
فهي الجهة الوحيدة التي تملك الأدوات الفنية والقانونية للتقصي الميداني، بدءاً من جمع العينات وتحليلها، وصولاً إلى إصدار تقارير مستقلة معتمدة دولياً.
والسودان عضو في هذه المنظمة، ووقّع على اتفاقيتها، وهو يعرف جيداً أن الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية هي التي يجب تفعيلها في حال وجود أي شبهات.
منذ ظهور هذه المزاعم في العام 2024، طلبت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية رسمياً من حكومة بورتسودان فتح المجال أمامها للقيام بمهامها في التحقق والتقصي.
لكن حكومة بورتسودان رفضت هذا الطلب رفضاً تاماً، وأصرت على الاحتفاظ بالملف داخل لجنتها الوطنية، متجاهلة بذلك التزاماتها الدولية.
ورغم هذا الرفض، خرج بيان الخارجية ليصور الأمر وكأن واشنطن هي المعنية بالتحقيق، متجاهلاً أن المنظمة هي الطرف الطبيعي المخاطب، ومتناسياً أنها هي التي تقدمت بطلب التحقيق قبل أكثر من عام.
فكيف لحكومة تدعي الالتزام بالاتفاقية أن تتجاهل المنظمة التي أنشئت خصيصاً لهذا الغرض، وتتوجه إلى جهة أخرى ليست مسؤولة أصلاً عن التقصي، ثم تزعم أن هذه الجهة رفضت طلباً لم تكن مخولة بقبوله أو رفضه من الأساس؟
بيان الخارجية: فضيحة دبلوماسية مكشوفة:-
من خلال متابعة هذا الملف عن كثب، أرى أن بيان وزارة الخارجية الصادر أمس يمثل فضيحة دبلوماسية على المستوى الدولي، لعدة أسباب:
أولاً: البيان يحاول إعادة كتابة التاريخ، متجاهلاً الموقف الرافض للحكومة لأي تحقيق دولي، ويتناقض مع ما صدر عنها في المحافل الدولية، حيث رفضت مراراً أي دور لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ثانياً: الادعاء بوجود “آلية ثنائية” مع واشنطن لم يسبق أن أشارت إليه الحكومة في أي مناسبة سابقة، وهذا يضعها في موقف محرج، ويكشف أن البيان لم يخضع لأي تدقيق.
ثالثاً: البيان لم يقدم أي رد تقني أو علمي على جوهر الاتهامات، واكتفى بالإنكار السياسي، متجاهلاً أن الاتهامات استندت إلى تحليلات فنية مستقلة، وليس إلى روايات إعلامية.
رابعاً: اللجنة المسؤولة عن تقصي الحقائق في هذا الملف هي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وليست واشنطن.
فالاتفاقية التي وقع عليها السودان تنص بوضوح على أن المنظمة هي الجهة المخولة بالتحقق من أي انتهاكات، وليس أي طرف ثنائي.
وحكومة بورتسودان، باعتبارها عضواً في المنظمة، تعرف هذه القوانين جيداً، لكنها تختار تجاهلها عمداً واللجوء إلى سردية واشنطن، في محاولة للالتفاف على الآليات الدولية التي تعرف أنها لن تمرر لها أي تبرير.
خامساً: بيان الخارجية حاول تصوير العقوبات الأمريكية على أنها مجرد “عقوبات سياسية”، في محاولة لتجريد الملف من طابعه القانوني والإنساني، وتحويله إلى صراع سياسي بين بورتسودان وواشنطن.
لكن هذا التوصيف لا يغير من حقيقة أن العقوبات جاءت بعد تقييم فني مستقل خلص إلى استخدام أسلحة محظورة، وأن محاولة تقديمها كإجراء سياسي لا تزيد الموقف إلا سوءاً، لأنها تعكس إصرار الحكومة على التعامل مع انتهاكات جسيمة كأنها مجرد لعبة سياسية.
الهدف من البيان: مخاطبة الداخل وترويج نظرية المؤامرة:
من الواضح أن هذا البيان لم يوجه إلى المجتمع الدولي، بل إلى الداخل.
إنه محاولة مكشوفة لترويج نظرية المؤامرة، وإيهام السودانيين بأن واشنطن تتآمر على السودان، وأن هدفها إضعاف الجيش، في محاولة لتحويل الأنظار عن جوهر القضية و العقوبات بسبب التماطل من استحقاق السلام.
هذا الخطاب يأتي في سياق محاولة حكومة بورتسودان الترويج لفكرة أن هناك من يتآمر على السودان لإضعاف جيشه، متناسية أن الجيش نفسه بات رهينة في صراعات داخلية، وأن تهميش المؤسسات العسكرية لصالح أجندات ضيقة هو ما أفقد البلاد تماسكها.
فالجيش الذي يتحدثون عنه اليوم، والذي يزعمون أن واشنطن تستهدفه، هو ذات الجيش الذي تحول إلى أداة في صراعات سياسية، وأصبح مختطفاً من قبل تيارات إسلامية تقوده نحو مزيد من العزلة الدولية.
الخلاصة: عزلة متزايدة وعقوبات تطال السودانيين:-
في النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لمن تصدر حكومة بورتسودان هذه البيانات؟ ولأي غرض تروّج لنظرية المؤامرة بينما العالم يتابع ملفاً إنسانياً وقانونياً بامتياز؟
الحقيقة التي لا مفر منها، أن هذا البيان يعكس حالة من العجز السياسي، حيث تحاول الحكومة إخفاء فشلها الذريع في التعامل مع الملفات الدولية، والتهرب من المساءلة عبر استدعاء “العدو الخارجي” الوهمي.
لكن المشكلة الأكبر أن هذه الممارسات لن تزيد البلاد إلا عزلةً دولية، ولن تجلب سوى المزيد من العقوبات التي تطال الاقتصاد والمواطن البسيط، بينما تظل قيادات الحكومة في منأى عن تبعاتها، محصنةً بقصورها ومصالحها.
إن استمرار هذا النهج سيزيد من معاناة شعب يعاني أصلاً من ويلات الحرب والانهيار الاقتصادي.
فالعقوبات التي تأتي نتيجة لهذه السياسات لا تسقط على من صنع القرار، بل تسقط على السودانيين الذين يدفعون الثمن كل يوم في الأسواق والمستشفيات والمدارس.
كان الله في عون السودانيين،،،،،،
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.