نزيف القادة ومستقبل النفوذ.. ما الذي يدفع المشتركة لحرب كردفان؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد جبهات شمال كردفان ودارفور مجرد ساحات إسناد عسكري، بل تحولت إلى مسرحٍ لنزيف قيادي متصاعد يضرب الصفوف الأولى للقوات المشتركة التابعة لحركات الكفاح المسلح.

وخلال الفترة الأخيرة، تكبدت هذه الحركات خسائر بشرية وميدانية كبيرة، وضعتها أمام معضلة استراتيجية معقدة، وأعادت طرح تساؤلات حول جدوى استمرار انخراطها في المعارك، وحجم المكاسب التي تسعى للحفاظ عليها.

وفي استمرار لنزيف القيادات، فقدت القوات المشتركة خلال معارك كردفان، أمس، عدداً من قادتها الميدانيين، بينهم العميد عبد الله شرف الدين، المعروف بـ”شوا”، من حركة العدل والمساواة، واللواء حسين أبو قرجة، قائد محور “أم سيالة” بالقوات المشتركة، إلى جانب الناشط الإعلامي محمد برتوبرتو.

كما نعت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، في بيان صادر عن ناطقها العسكري العقيد محمد حسن هارون، المعروف بـ”أوباما”، اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر، الملقب بـ”مستر هجوم”.

ويثير هذا التآكل المتسارع في صفوف القيادة العسكرية، مع استمرار الدفع بالقوات نحو جبهات مفتوحة، تساؤلات حول الحسابات التي تدفع الحركات الموقعة على السلام إلى الزج بثقلها العسكري في معارك مرتفعة الكلفة.

ما الذي يجعل هذه الحركات تتمسك بخيار الحرب؟ وما المعادلة التي تربط بين البقاء العسكري والنفوذ السياسي والاقتصادي؟

وتفيد مصادر سياسية مطلعة بأن جانباً رئيسياً من اندفاع القوات المشتركة نحو خطوط القتال يرتبط بضغوط تمارسها قيادة القوات المسلحة السودانية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وتشير المصادر إلى أن قيادة الجيش تلوّح بين حين وآخر بإمكانية مراجعة أو إلغاء اتفاق جوبا لسلام السودان، في حال تراجعت الحركات عن تقديم الإسناد العسكري المباشر.

وتدرك قيادات القوات المشتركة أن الاتفاق يمثل الغطاء القانوني والسياسي الأبرز لبقائها ضمن معادلة السلطة والترتيبات الأمنية، الأمر الذي يجعل استمرار القتال خياراً مطروحاً لتجنب فقدان مكاسبها والعودة إلى مربع ما قبل الاتفاق.

وعلى الصعيد السياسي، يرى مراقبون أن الحركات الموقعة على السلام تخوض معركة للحفاظ على موقعها داخل المشهد السوداني، إذ تشغل هذه القوى عدداً من المناصب الحكومية والتنفيذية، من بينها وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي التي يتولاها رئيس حركة العدل والمساواة، الدكتور جبريل إبراهيم.

ويرى محللون أن أي ترتيبات سياسية جديدة أو تسوية شاملة قد تعيد تشكيل خريطة النفوذ، وربما تؤدي إلى تراجع حضور هذه القيادات داخل مؤسسات الدولة.

وبناءً على ذلك، يُنظر إلى استمرار الانخراط في الحرب باعتباره وسيلة لحماية المكاسب السياسية وتعزيز موقعها كطرف رئيسي في أي ترتيبات مستقبلية.

وتتقاطع هذه الحسابات السياسية مع مصالح اقتصادية متشابكة؛ إذ تشير تقارير ميدانية إلى توسع نشاط بعض القيادات النافذة في القوات المشتركة داخل قطاعات اقتصادية حيوية، من بينها قطاع التعدين.

ويتزامن ذلك مع إدارة الملف الاقتصادي الرسمي عبر وزارة المالية، ما يمنح هذه الأطراف مساحة للتأثير على حركة الموارد والقرارات المالية.

ويجعل هذا التداخل بين السلاح والاقتصاد والسياسة، العودة إلى السلام خياراً محفوفاً بالتحديات، في ظل احتمال فتح ملفات تتعلق بإدارة الموارد وإعادة هيكلة النفوذ القائم.

وبين المخاوف المتعلقة بمستقبل اتفاق السلام، والتمسك بالمواقع الحكومية، وتنامي المصالح الاقتصادية، تجد القوات المشتركة نفسها أمام معادلة معقدة: الاستمرار في حرب تستنزف قياداتها الميدانية، أو الدخول في تسوية قد تعيد توزيع مراكز القوة وتقلص امتيازاتها الحالية.

ومع استمرار التصعيد في شمال كردفان وجبهات دارفور، يبقى السؤال قائماً: هل تخوض القوات المشتركة هذه المعارك ضمن رؤية وطنية شاملة، أم في إطار حماية مكتسباتها العسكرية والسياسية داخل بنية الدولة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.