لماذا ما زال المعلم يدفع ثمن تجاهل إصلاح الهيكل الراتبي؟

مناهل أبو قيصص

ليس من المبالغة القول إن مستقبل أي دولة يبدأ من الفصل الدراسي، وإن أول استثمار حقيقي في بناء الأوطان هو الاستثمار في المعلم. لكن المفارقة المؤلمة أن المعلم، الذي يُنتظر منه أن يصنع الأجيال ويغرس قيم المعرفة والانتماء، يجد نفسه في كثير من الأحيان عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجاته المعيشية، بسبب هيكل راتبي لم يعد يعكس حجم المسؤولية التي يحملها ولا الظروف الاقتصادية التي يعيشها.

 

في بلدي، لم تعد قضية رواتب المعلمين مجرد مطلب نقابي أو فئوي، بل أصبحت قضية وطنية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجودة التعليم واستقرار المجتمع. فمن الصعب أن نطالب المعلم بالإبداع داخل الفصل، بينما يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في البحث عن مصدر دخل إضافي يضمن له ولأسرته الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

 

لقد أفرزت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ التهم التضخم القيمة الحقيقية للأجور، وأصبحت أي زيادات تُعلن تفقد أثرها قبل أن تصل إلى جيوب العاملين. وهكذا تحول الراتب إلى رقمٍ لا يعكس تكاليف المعيشة، ولا يحقق الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي.

 

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بضعف الموارد وحده، وإنما بغياب رؤية شاملة لإصلاح الخدمة المدنية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. فحين يتراجع الاهتمام بالمعلم، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل تمتد إلى المدرسة والأسرة والمجتمع، لأن جودة التعليم لا يمكن أن تنفصل عن جودة حياة من يقدمه.

 

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تطوير أنظمتها التعليمية لم تبدأ بالمباني أو المناهج، وإنما بدأت بالمعلم. أدركت تلك الدول أن تحسين أوضاعه المعيشية والمهنية ليس عبئًا على الموازنة، بل استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري، وعائدٌ يمتد أثره إلى الاقتصاد والاستقرار والتنمية.

 

ومن هنا، فإن إصلاح الهيكل الراتبي لا ينبغي أن يُختزل في زيادة مؤقتة للأجور، بل يجب أن يكون مشروعًا متكاملًا يقوم على العدالة، ويراعي المؤهلات العلمية، وسنوات الخدمة، وطبيعة العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، مع توفير مسار وظيفي واضح يضمن للمعلم الشعور بالأمان والتقدير.

 

كما أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل دون توفير مزايا مهنية واجتماعية، تشمل التأمين الصحي، وفرص التدريب والتطوير، والحوافز المرتبطة بالأداء، وبرامج الإسكان والدعم الاجتماعي. فهذه الامتيازات أصبحت جزءًا من منظومة استقرار المعلم ورفع كفاءة العملية التعليمية.

 

قد يرى البعض أن الظروف الاقتصادية والحرب تفرض تأجيل مثل هذه المطالب، لكن التجارب تؤكد أن الدول الخارجة من الأزمات لا تعيد بناء نفسها إلا من خلال التعليم. فالمعلم ليس بندًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هو حجر الأساس في صناعة الإنسان القادر على إعادة إعمار الوطن واستعادة مؤسساته.

 

إن استمرار تدهور أوضاع المعلمين يحمل آثارًا بعيدة المدى، إذ يدفع كثيرًا من الكفاءات إلى مغادرة المهنة، ويضعف إقبال الخريجين المتميزين على الالتحاق بها، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة التعليم ومستقبل الأجيال، ويكرس دائرة من التراجع يصعب كسرها مع مرور الزمن.

 

ورغم كل هذه التحديات، فإن الأمل لا يزال قائمًا. يبدأ هذا الأمل بإقرار صناع القرار بأن التعليم أولوية وطنية لا تقل أهمية عن بقية القطاعات، وأن إنصاف المعلم ليس منحة، بل استحقاق يفرضه الدور الذي يؤديه في بناء المجتمع. كما يتطلب إرادة سياسية تترجم هذا الإيمان إلى سياسات عملية ومستدامة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة والوعود الموسمية.

 

إن إعادة هيكلة رواتب المعلمين ينبغي أن تكون جزءًا من إصلاح شامل للخدمة المدنية، يقوم على العدالة والكفاءة والاستدامة المالية، مع إشراك ممثلي المعلمين والخبراء الاقتصاديين في وضع الحلول، بما يضمن قابليتها للتنفيذ وتحقيق أهدافها.

 

ويبقى السؤال مطروحًا: إلى متى سيظل المعلم يدفع ثمن تأجيل الإصلاح؟ وهل يأتي اليوم الذي تنظر فيه الدولة إلى المعلم باعتباره صانع المستقبل، لا مجرد موظف في آخر سلم الأولويات؟

 

إن نهضة الأمم لم تبدأ يومًا من قصور الحكم أو مراكز القرار، بل بدأت من المدرسة، ومن معلمٍ شعر بأن وطنه يقدّر رسالته ويكافئ عطائه. وعندما يُنصف المعلم، يكون المجتمع كله قد خطا أولى خطواته نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.