كيف أعاد (البرهان) الإخوان إلى مفاصل السلطة 

تقرير | عين الحقيقة

تتجدد في السودان الاتهامات بشأن استعادة الحركة الإسلامية نفوذها داخل مؤسسات الدولة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول طبيعة التحالفات التي أعادت كوادر النظام السابق إلى مواقع مؤثرة، بعد سنوات من سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وبحسب ما أورده موقع “إرم نيوز” نقلاً عن مصادر سودانية مقربة من لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، فإن ملف النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية لم يكن خاضعاً بصورة كاملة لسلطة اللجنة، بل ظل يُدار عبر هياكل ولجان داخلية تتبع القيادة العسكرية، الأمر الذي حدّ – وفقاً للمصادر – من قدرة اللجنة على تفكيك شبكات التمكين داخل القوات المسلحة.
ملف خارج صلاحيات لجنة التفكيك
وتشير المصادر إلى أن تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً للجنة إزالة التمكين لم يمنحه سلطة فعلية للتعامل مع ملفات القوات المسلحة، إذ بقيت تلك الملفات، بحسب الرواية ذاتها، تحت إدارة القيادة العسكرية، بما في ذلك ملفات التعيينات والترقيات والإحالات إلى التقاعد. وتضيف أن عدداً من قرارات الإحالة للمعاش وإعادة هيكلة بعض الوحدات العسكرية كان يصدر بصورة منفصلة عن اللجنة، وهو ما جعل الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية محدودة، وأبقى كثيراً من الملفات الحساسة خارج نطاق المراجعة.
انقلاب أكتوبر… نقطة التحول
وترى المصادر أن التحول الأكبر بدأ عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021، عندما اتخذت القيادة العسكرية سلسلة من القرارات التي أعادت، وفقاً لروايتها، شخصيات وشبكات محسوبة على نظام الإنقاذ إلى مواقع داخل أجهزة الدولة. وتقول إن هذه الخطوات لم تقتصر على المؤسسات المدنية، وإنما امتدت إلى أجهزة أمنية وعسكرية، الأمر الذي مهد لعودة تدريجية لشبكات النظام السابق إلى مواقع النفوذ. ويذهب مراقبون إلى أن تلك المرحلة مثلت نقطة فاصلة في مسار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، بعدما أدى إنهاء الشراكة الانتقالية إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة.
نفوذ يتجاوز عدد الضباط

وبحسب المصادر، فإن الحديث عن نفوذ الإسلاميين داخل القوات المسلحة لا يرتبط فقط بعدد الضباط المنتمين إلى الحركة الإسلامية، وإنما بطبيعة البنية التنظيمية التي تأسست خلال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ. وتشير إلى أن تلك البنية اعتمدت على منظومة من الولاءات العقائدية، والترقيات الانتقائية، وإسناد المواقع الحساسة لعناصر موثوقة، إلى جانب ارتباط بعض الضباط بهياكل مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والتنظيمات ذات الطابع التعبوي. وترى المصادر أن هذه الشبكات، إلى جانب المصالح الاقتصادية التي نشأت خلال سنوات الحكم السابق، شكلت منظومة نفوذ يصعب قياسها بمجرد حصر عدد المنتمين تنظيمياً للحركة الإسلامية.

الحرب… فرصة لإعادة التموضع؟
وتربط المصادر بين الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 واتساع نفوذ الشبكات الإسلامية، معتبرة أن الصراع وفر بيئة مناسبة لإعادة انتشار كوادر النظام السابق داخل مؤسسات الحكم. وبحسب هذه القراءة، فإن الحرب لم تكن السبب الوحيد في عودة تلك الشبكات، وإنما جاءت لتسرّع مساراً بدأ عقب انقلاب أكتوبر، عبر إعادة بناء التحالفات السياسية والعسكرية. وتضيف أن العلاقة بين القيادة العسكرية والإسلاميين تجاوزت، من وجهة نظرها، حدود التنسيق الميداني لتأخذ أبعاداً سياسية وتنظيمية، حيث وفر الجيش الإطار المؤسسي، بينما لعبت شبكات إسلامية أدواراً في التعبئة والإسناد الإعلامي والتمويل، وفقاً لما نقلته المصادر.
جدل مستمر
في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني أو من قيادات الحركة الإسلامية بشأن ما ورد في هذه الرواية، كما لا توجد أدلة مستقلة تؤكد جميع التفاصيل التي أوردتها المصادر. ويرى محللون أن الجدل حول عودة الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة سيظل أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوداني، بالنظر إلى ارتباطه بمسار الانتقال السياسي، وإصلاح القطاع الأمني، ومستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية. ومع استمرار الحرب وتعثر العملية السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه الاتهامات مؤشراً على إعادة إنتاج بنية الحكم التي أطاحت بها ثورة ديسمبر، أم أنها جزء من صراع سياسي وإعلامي يعكس الانقسام العميق الذي تعيشه البلاد؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.