معارك كردفان.. هل يستبق البرهان خطوات السلام الدولي؟

نورا عثمان

لم تعد معارك كردفان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والدبلوماسية. فكل تقدم ميداني، أو محاولة للسيطرة على مدينة أو طريق إستراتيجي، بات يُقرأ أيضاً في سياق الترتيبات المحتملة لأي عملية سلام دولية قد تُطرح في المرحلة المقبلة.

ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه على المشهد السوداني: هل يسعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر العمليات العسكرية في كردفان، قبل أي تحرك دولي جديد لإحياء مسار السلام؟

لا يمكن الجزم بالإجابة، لكن طبيعة التطورات الميدانية توحي بأن السيطرة على الأرض أصبحت جزءاً من معادلة السياسة، وليست هدفاً عسكرياً فحسب. كردفان… بوابة التفاوض، حيث تمثل كردفان أهمية إستراتيجية تتجاوز موقعها الجغرافي، فهي حلقة الوصل بين وسط السودان وغربه، كما تشكل ممراً حيوياً نحو دارفور، فضلاً عن احتضانها طرق الإمداد ومناطق ذات أهمية اقتصادية.

لذلك فإن أي تغير في ميزان السيطرة داخل الإقليم ينعكس مباشرة على موازين القوة بين أطراف الحرب، وقد يمنح الطرف المتقدم أوراقاً إضافية في أي مفاوضات مستقبلية.

ويرى مراقبون أن الأطراف المتحاربة باتت تدرك أن خرائط الميدان قد تتحول لاحقاً إلى خرائط تفاوض، وهو ما يفسر شدة المعارك في الإقليم خلال الأشهر الأخيرة.

في سباق مع المبادرات، وعلى الرغم من تعثر معظم المبادرات الإقليمية والدولية، فإن المؤشرات لا توحي باختفاء الجهود الدبلوماسية، بل بتراجعها مؤقتاً في انتظار ظروف أكثر ملاءمة.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن القيادة العسكرية قد تسعى إلى تحقيق مكاسب ميدانية قبل عودة الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، بحيث تدخل أي مفاوضات من موقع قوة. ففي النزاعات الحديثة، لا يقتصر التفاوض على المبادئ السياسية، وإنما يتأثر أيضاً بواقع السيطرة على الأرض، وخطوط الإمداد، والمراكز الحيوية.

معركة الرسائل.. حيث لا تبدو العمليات العسكرية موجهة فقط إلى الخصم، بل تحمل رسائل متعددة إلى المجتمع الدولي.فالقيادة العسكرية قد تسعى إلى إظهار قدرتها على استعادة زمام المبادرة، بما يعزز موقفها أمام الوسطاء، بينما تحاول قوات الدعم السريع بدورها إثبات أنها لا تزال تمتلك القدرة على المناورة وفرض الوقائع الميدانية. وبين هاتين الرسالتين، يبقى المدنيون هم الأكثر تضرراً، مع اتساع رقعة النزوح، وتراجع الخدمات، واستمرار الأزمة الإنسانية.

السلام المؤجل

لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا لو حقق أحد الطرفين تقدماً واسعاً في كردفان؟ التجربة السودانية، كما تجارب نزاعات أخرى، تشير إلى أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة حسم الصراع سياسياً.

فالسيطرة على المدن تختلف عن القدرة على إدارة الدولة، والانتصارات الميدانية لا تغني عن الحاجة إلى تسوية سياسية تضع حداً للحرب.

ولهذا، فإن أي مكسب عسكري قد يتحول إلى ورقة تفاوض، لكنه لا يمثل بديلاً عن الحل السياسي. ماذا بعد؟

إذا كانت معارك كردفان تهدف بالفعل إلى تحسين الموقع التفاوضي قبل أي مبادرة سلام، فإن نجاح هذا الرهان سيظل مرهوناً بعوامل تتجاوز الميدان، من بينها مواقف القوى الإقليمية والدولية، ومدى استعداد أطراف النزاع لتقديم تنازلات.

أما إذا استمرت الحرب باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، فإن السودان سيظل يدور في دائرة الاستنزاف، بينما تتراجع فرص بناء سلام مستدام.

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية كردفان في كونها ساحة معركة فقط، بل لأنها أصبحت مرآة للصراع على مستقبل الدولة السودانية. فبينما تتسابق الأطراف على تحقيق مكاسب ميدانية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمهد هذه المعارك لطاولة تفاوض أكثر توازناً، أم أنها ستؤجل السلام مرة أخرى وتضيف فصلاً جديداً إلى حرب استنزفت البلاد والعباد؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.