من قال إن قضايا المعلمين والتعليم يمكن أن تُرحَّل إلى آخر قائمة الأولويات؟ ومن أقنع صُنّاع القرار بأن حقوق المعلمين ملف قابل للتأجيل كلما اشتدت الأزمات، أو أن التعليم رفاهية يمكن التضحية بها حتى إشعار آخر؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي دولة ليس إهمال الطرق أو تعطيل المشروعات، بل إهمال الإنسان الذي يصنعها جميعًا. وهذا الإنسان يبدأ رحلته من مقعد الدراسة، ويقف إلى جانبه معلم لا يلقّن المعرفة فحسب، بل يصوغ الوعي، ويغرس القيم، ويبني الشخصية. لذلك، فإن إهانة المعلم ليست إهانة لفرد، وإنما انتقاص من قيمة المدرسة، وإضعاف لأساس الدولة نفسها.
ورغم هذه الحقيقة، ما تزال قضايا المعلمين تُواجَه في كثير من الأحيان بمنطق التسويف والمساومة، وكأن المطالبة بأجر عادل، وبيئة عمل كريمة، وتأهيل مهني مستمر، امتيازات يمكن منحها أو حجبها وفقًا للظروف. بينما الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن هذه الحقوق ليست منحة، بل استحقاقات أصيلة، وأن الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الأكثر جدوى لأي دولة تبحث عن التنمية والاستقرار.
لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم بينما يعيش المعلم تحت ضغوط اقتصادية ونفسية متواصلة. فمن يُطالب المعلم بصناعة أجيال واعية ومبدعة، عليه أولًا أن يمنحه الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. فالمعلم الذي ينشغل بتأمين احتياجات أسرته لن يستطيع، مهما بلغ إخلاصه، أن يمنح طلابه كامل طاقته وإبداعه.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن الدول التي حققت قفزات نوعية في التعليم بدأت رحلتها من احترام المعلم، ورفع مكانته، وتحسين أوضاعه المعيشية والمهنية. فقد أدركت أن بناء المدارس أسهل من بناء المعلم، وأن جودة التعليم لا تُقاس بعدد الفصول أو المناهج، بل بكفاءة من يقف أمام الطلاب كل صباح.
وفي زمن الحروب والأزمات، لا تتراجع أهمية التعليم، بل تتضاعف. فحين تتعطل مؤسسات الدولة، تبقى المدرسة آخر حصون الأمل، ويبقى المعلم خط الدفاع الأول في مواجهة الجهل والتطرف واليأس. ولهذا، فإن حماية التعليم ليست قضية نقابية أو مطلبًا فئويًا، بل مسؤولية وطنية ترتبط بأمن المجتمع واستقراره ومستقبله.
ومن المؤسف أن تتحول مطالب المعلمين إلى ملف موسمي أمام رئيس وزراء حكومة بورتسودان، يُفتح مع كل أزمة ثم يُغلق دون حلول جذرية. فالوعود لا تُصلح مدرسة، والخطب لا تُطور التعليم، والتصريحات لا تحفظ كرامة المعلم. وما يحتاجه هذا القطاع ليس مزيدًا من الشعارات، بل إرادة سياسية صادقة، وقرارات شجاعة تضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية.
لقد أثبت المعلمون، في أصعب الظروف، وفي ظل استمرار الحرب، أنهم من أكثر الفئات صبرًا والتزامًا برسالتهم. واصلوا أداء واجبهم رغم ضعف الإمكانات، وتأخر المستحقات، وقسوة الواقع. لكن هذا الصبر لا ينبغي أن يُستغل ذريعة لاستمرار التجاهل، ولا أن تتحول رسالتهم النبيلة إلى مبرر للتغاضي عن حقوقهم.
إن المجتمعات التي تُكرم معلميها، تُكرم مستقبلها. أما المجتمعات التي تساوم على حقوقهم، فإنها في الحقيقة تساوم على مستقبل أبنائها. فالدفاع عن قضايا المعلمين ليس دفاعًا عن فئة مهنية بعينها، بل دفاع عن حق كل طفل في تعليم جيد، وحق كل أسرة في مستقبل أفضل، وحق كل وطن في امتلاك أعظم ثرواته: الإنسان المتعلم.
وفي الختام، يبقى السؤال حاضرًا: كيف ننتظر تعليمًا قويًا، ونحن نُضعف من يحمل رسالته؟ وكيف نطمح إلى نهضة حقيقية، بينما يبقى المعلم آخر من يُنصف وأول من يدفع ثمن الأزمات؟ إن الأوطان لا تبدأ في الانهيار عندما تُغلق المدارس، بل عندما تُهمَّش مكانة المعلم، ويُنظر إلى التعليم باعتباره عبئًا لا استثمارًا. فكرامة المعلم ليست مطلبًا فئويًا، بل هي حجر الأساس في بناء وطنٍ يدرك أن مستقبله يُصنع داخل الفصل الدراسي قبل أي مكان آخر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.